![]() |
| الخوف والأمن |
وَخَاضَ فُلان هَوْل اللَّيْلِ، وَهَوْل الْبَحْرِ، وَأَهْوَاله، وَتَهَاوِيله، وَإِنَّهُ لَخَوَّاض أَهْوَال. وَهَذَا خَوْف يُشَيِّبُ الرُّؤُوس، وَيَبْيَضُّ لَهُ رَأْسُ الْوَلِيدِ، وَهَوْل يُرَوِّعُ الأُسُود، وَيُذِيبُ قَلْب الْجَمَاد، وَتَمِيدُ لَهُ الْجِبَال فَرَقاً، وَقَدْ اِنْخَلَعَتْ لَهُ الْقُلُوبُ، وَاضْطَرَبَتْ الْحَوَاسُّ، وَاقْشَعَرَّتْ الْجُلُودُ، وَأَرْعَشَتْ الأَيْدِي، وَرَجَفَتْ الْقَوَائِم، وَاصْطَكَّتْ الرُّكَبُ، وَتَزَلْزَلَتْ الأَقْدَام، وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ. وَسَمِعَ فُلان هَيْعَة الْعَدُوّ فَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ، وَأُرْعِدَتْ خَصَائِلُهُ وَأُرْعِشَتْ مَفَاصِلُهُ، وَانْتَفَخَ سَحْرُهُ، وَانْتَفَخَتْ مَسَاحِرُهُ، وَنَزَلَ الرُّعْب فِي قَلْبِهِ، وَمُلِئَ صَدْرُهُ رُعْباً، وَبَاتَ الْخَوْف مِلْء ضُلُوعِه، وَأَخَذَهُ الرُّعْب بِأَفْكَلِهِ، وَبَاتَ مَا يَسْتَقِرُّ جَنَانه مِنْ الْفَزَعِ، وَقَدْ اُسْتُفِزَّ فَرَقاً، وَزِيلَ زَوِيلُهُ، وَزِيلَ زَوَالُهُ، وَزَفَّ رَألُه وَخَوَّدَ رَأْلُه، وَطَارَتْ نَفْسه شُعَاعاً، وَذَهَبَتْ نَفْسه لِمَاعاً وَخَانَهُ قَلْبُهُ، وَوَجَفَ قَلْبُهُ، وَوَجَبَ قَلْبهُ، وَرَجَفَ قَلْبُهُ، وَخَفَقَ فؤاده، واستُطِيرَ فُؤَاده مِنْ الذُّعْرِ، وَنَزَا قَلْبُهُ مِنْ الْخَوْفِ، وَمَا زَالَ قَلْبه يَقُومُ وَيَقْعُدُ وَكَادَ قَلْبُهُ يَخْرُجُ مِنْ صَدْرِهِ، وَكَادَ يَنْشَقُّ صَدْرُهُ مِنْ الرُّعْبِ، وَكَادَتْ تَتَزَايَلُ أَعْضَاؤُهُ مِنْ الْفَرَقِ، وَقَدْ هَتَكَ الْخَوْفُ قَمِيص قَلْبِهِ، وَهَتَكَ حِجَابَ قَلْبِهِ، وَانْمَاثَ قَلْبه كَمَا يَنْمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ. وَطَلَعَ عَلَيْهِ السَّبُعُ فَقَفَّ شَعَرُهُ، وَاقْشَعَرَّ بَدَنُهُ، وَامْتُقِعَ لَوْنُهُ، وابتُقِعَ، وَانْتُقِعَ، والتُقِعَ، وَالْتُمِعَ، وَالْتُمِئَ، وَاسْتُفِعَ، وَابْتُسِرَ، وَانْتُشِفَ، وَانْتُسِفَ بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُولِ فِيهِنَّ، إِذَا تَغَيَّرَ وَاصْفَرَّ، وَقَدْ رُدِعَ الرَّجُل، وَأُسْهِبَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْضاً، إِذَا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ مِنْ فَزَع وَنَحْوه، وَجَاءَ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ دَم، وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ رَائِحَة دَمٍ مِنْ الْفَرَقِ، وَجَاءَنَا مُتَهَدِّج الصَّوْتِ أَيْ مُتَقَطِّعُهُ فِي اِرْتِعَاش، وَغَرِقَ الصَّوْت بِفَتْحٍ فَكَسْر أَيْ مُتْقَطِّعَة مِنْ الذُّعْرِ. وَقَدْ اُعْتُقِلَ لِسَانه، وَتَلَجْلَجَ مَنْطِقُهُ، وَتَقَعْقَعَ حَنَكَاهُ، وَقَفْقَفَتْ أَسْنَانه، وَتَقَفْقَفَتْ، وَتَقَرْقَفَتْ، وَاصْطَكَّتْ، وَعَقَلَ الرُّعْب يَدَيْهِ، وَخَانَتْهُ رِجْلاهُ، وَأَسْلَمَتْهُ رِجْلاهُ، وَأَسْلَمَتْهُ قَوَائِمه، وَتَخَاذَلَتْ رِجْلاهُ مِنْ الْفَرَقِ، وَأَصْبَحَ لا تَحْمِلُهُ رِجْلاهُ، وَلا تُقِلُّهُ رِجْلاهُ، وَلا تَتْبَعْهُ رِجْلاهُ، وَقَامَ يَجُرُّ رِجْلَهُ فَرَقاً. وَرَأَيْته وَقَدْ دَهِشَ مِنْ الْخَوْفِ، وَبَرِقَ، وَخَرِقَ بِالْكَسْرِ فِيهِنَّ، إِذَا بُهِتَ وَشَخَصَ بِبَصَرِهِ وَأَقَامَ لا يَطْرِفُ، وَعَقِرَ بِالْكَسْرِ أَيْضاً إِذَا فَجِئَهُ الرَّوْع فَدُهِشَ فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ، وَقَدْ عَقَرَ حَتَّى خَرَّ إِلَى الأَرْضِ، وَحَتَّى لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَلامِ.
وَهَدَأَتْ ضُلُوعُهُ، وَثَابَتْ إِلَيْهِ نَفْسه، وَارْفَضَّتْ عَنْهُ الْمَخَاوِف، وَأَصْبَحَ آمِناً فِي سِرْبِهِ. وَطَمْأَنْته أَنَا، وَسَكَّنْت مِنْهُ، وَسَكَّنْت رَوْعَهُ، وَطَأْمَنْت مِنْ رَوْعِهِ، وَطَأْمَنْت جَأْشه، وَخَفَّضْت جَأْشَه، وَفَثَأْت جَأْشه، وَأَذْهَبْت خِيفَتهُ، وَأَزَلْت حِذَاره، وَآمَنْت رَوْعَته، وَسَرَوْت رَوْعته، وَحَلَلْت عُقْدَةَ الْخَوْفِ عَنْ قَلْبِهِ. وَتَقُولُ لِلْخَائِفِ: سَكِّنْ رَوْعَكَ، وَخَفِّضْ عَلَيْك جَأْشَك، وَلا تُرَع، وَلا بَأْسَ عَلَيْك. وَهَذَا أَمْر لا تَقِيَّةَ فِيهِ، وَلا خَوْفَ مِنْهُ، وَلا مَحْذُورَ فِيهِ، وَلا خَطَرَ مِنْهُ، وَلا تَبِعَةَ فِيهِ عَلَيْك، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُتَّقَى، وَلا مَا تُخْشَى عَوَاقِبه، وَلَيْسَ فِيهِ عَلَيْك كَمِين سُوء، وَهُوَ أَمْرٌ سَلِيم الْعَوَاقِب، مَأْمُون الْغَوَائِل. وَهَذَا أَمْر لا أشْغَل بِهِ بَالِي، وَلا أُوجِسُ مِنْهُ شَراً، وَلا يَهْجُسُ فِي صَدْرِي مِنْهُ سُوء، وَلا يَجْرِي لَهُ فِي خَلَدِي مَخَافَة، وَلا يَتَمَثَّلُ مِنْهُ فِي قَلْبِي لِلرَّوْعِ خَيَال. وَيَقُولُ مَنْ كُلِّفَ أَمْراً يَخْشَى تَبِعَته: أَفْعَلُ كَذَا وَلِي الأَمَانُ؟ وَأَقُولُ كَذَا وَأَنَا آمِن؟ وَهُوَ اِسْتِفْهَام وَمَعْنَاهُ طَلَب الأَمَانِ، وَقَدْ اِسْتَأْمَنَ فُلاناً إِذَا طَلَبَ مِنْهُ الأَمَانَ، وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ إِذَا دَخَلَ فِي أَمَانِهِ، وَقَدْ آمَنَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَمِنَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَوَاثَقَهُ عَلَى الأَمَانِ، وَأَعْطَاهُ عَهْد الأَمَانِ، وَضَمِنَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ الأَمَان. وَتَقُولُ: وَجَدْت الْقَوْمَ غَارِّينَ أَيْ آمِنِينَ، وَهُمْ فِي عَيْشٍ غَرِيرٍ، وَعَيْشٍ أَبْلَه، وَهُوَ الَّذِي لا يُفَزَّعُ أَهْلُهُ، وَقَدْ أَنَاخُوا فِي ظِلِّ الأَمَانِ، وَنَزَلُوا أَكْنَاف الدَّعَة، واسْتَذْرَوْا بِظِلِّ السَّكِينَةِ، وَوَرَفَتْ عَلَيْهِمْ ظِلال الأَمْنِ، وَضَرَبَ الأَمْنُ عَلَيْهِمْ سُرَادِقَهُ، وَضَرَبَ الأَمْن فِيهِمْ أَطْنَابه. وَفُلانٌ مُقِيمٌ تَحْتَ سَمَاء الأَمْن، مُتَقَلِّب عَلَى مِهَاد الدَّعَة، وَقَدْ نُفِيَ عَنْهُ الْحَذَرُ، وَسَالَمَتْهُ الْمَخَاوِف، وَهَادَنَتْهُ الْحَوَادِث، وَنَامَتْ عَنْهُ عُيُون الطَّوَارِق، وَصُرِفَتْ عَنْهُ لَحَظَات الْغِيَرِ، وَغُضَّ عَنْهُ بَصَر الْعَدُوّ وَالْحَاسِد..
