قلَّ من سلا إلَاّ غلبه الهوَى
مَنْ غلبهُ هواهُ علَى الصَّبر هنا
من كان سلوُّه تابعاً لظفَره بما من أجله كان ابتداء محبَّته فإنَّ الهجر والفراق لا يعيدان له هوًى ولا يتبعان على ضميره أسًى ومن كانت طبيعته بمشاكلة طبيعته فسلا لضجرة لحقته من مخالفة محبوبه أو من تعذُّر بعض مطلوبه أو لتأذٍّ بحاجبٍ أو رقيب أو لملالٍ من سعاية واشٍ أو عذول فإن أدنى عارض يطيف به من فراق أو هجر أو من مخافة خيانة أو غدر يعيد عليه قلق الإشفاق ويردُّه بعد السُّلوِّ إلى مواقف العشاق وربما ألمَّ بمن هذه صفته في المنام طائفٌ من خيال فردَّه إلى أتمِّ ما كان عليه من الحال.
وقال البحتري:
لي خليلٌ قد لجَّ في الصَّرمِ جِدَّا … وأعادَ الصُّدودَ منهُ وأبدى
ذو فنونٍ يُريكَ في كلِّ يومٍ … خُلقاً منْ جفائهِ مُستجدَّا
يتأبَّى منعاً ويُنعِمُ إسْعا … فاً ويدنو وصلاً ويُبعدُ صدَّا
أغْتدي راضياً وقد بتُّ غضبا … نَ وأُمسي مولًى وأُصبحُ عبدا
أتراني مُستبدلاً بكَ ما عشْ … تُ بديلاً أوْ واجداً منكَ نِدَّا
حاشَ لله أنتَ أفتنُ ألحا … ظاً وأحلى شكلاً وأملحُ قدَّا
أما هذا الشعر فمن أضعف شيءٍ أعرف وذلك أنَّ صاحبه إنَّما استحسن صورةً وقدّاً فمتى تغيَّر حسنها أوْ رأى ما هو أحسن في عينه منها اتَّبعه وتركها على أنَّه مع افتقاره إلى خليله وعدمه لشكله ونظيره منتقلاً في هواه فمرَّةً يتسخَّط ومرَّةً يترضَّاه حتَّى يمسيَ مولًى ويصبح عبداً وهذه حالٌ خسيسة فإن كان لا بدَّ للمحبِّ من التَّباعد عن المحبوب فليكن ذلك ظاهراً في الأفعال غير معتقدٍ في القلوب.
كما قال عبد الله بن أبي الشيص:
إنْ لم أُرى بفناءِ بيتكِ واقفاً … فالقلبُ مُحتبسٌ عليهِ وواقفُ
هذي الجفونُ فضمِّنيهنَّ الهوَى … وثقي بهنَّ فإنَّهنَّ عفائفُ
لا يكتحلْنَ منَ الخدودِ بزهرةٍ … حتَّى تعطَّفَ بي إليكِ عواطفُ
أنتِ الَّتي غمرَ الضَّمائرَ حُبُّها … فلها التَّليدُ من الهوَى والطَّارفُ
وكأنَّ ليَ قلبينِ عندكِ واحدٌ … دانٍ وآخرُ عنْ دياركِ عازفُ
وكما قال البحتري:
الدَّارُ تعلمُ أنَّ دمعي لم يغِضْ … فأروحَ حاملَ منَّةٍ منْ مُسعدِ
ما كان لي جلَدٌ فيودي إنَّما … أودى غَداةَ الظَّاعنينَ تجلُّدي
وكما قال بعض أهل هذا العصر:
لقد باعدْتَ عنكَ أخاً شقيقاً … عليكَ فلا يغرُّكَ حسنُ صبري
فلوْ جُمعَ الأنامُ لكنتَ فرْداً … أحبَّهمُ إليَّ بكلِّ سعْرِ
فلا تحسبْ رعاكَ الله أنِّي … غدرْتُ ولا هممْتُ لكمْ بغدرِ
فوالله العظيمِ لوَ انَّ قلبي … أحبَّ سواكَ لم أُسكنْهُ صدري
وأعظمُ ما أُلاقي منكَ أنِّي … أدومُ علَى الوفاءِ ولستَ تدري
وهذا أتم من قول بشار:
أهِمُّ بأنْ أقولَ وددْتُ أنِّي … سلوتُ فما يُطاوعني لِساني
لأنَّ بشاراً خبَّر أنَّه قد همَّ ثمَّ امتنع ومن لم يرد أن يقدر أتمُّ ممن أراد ذلك فلم يقدر وأنقص من بشار في هذه الحال.
أبو المنيع الحضرمي حيث يقول:
ألمْ ترني أزمعْتُ صرماً وهجرةً … لِليلى فلمْ أسطعْ صدوداً ولا هجرا
وما مرَّ يومٌ دونها إنْ هجرتُها … ولا ساعةٌ إلَاّ أجدَّ لها ذكرا
فيا عجبا من وصليَ الحبلَ كيْ يُرى … جديداً وقدْ أمستْ علائقهُ بُترا
فإنْ تُصبحي بعدَ التَّجاوزِ والهوَى … صددْتِ فقدْ غادرتِ في كبدي عقرا
والأحوص بن محمد حيث يقول:
أدعو إلى هجرها قلبي فيتبعُني … حتَّى لقدْ قلتُ هذا صادقٌ نزَعا
قدْ زادهُ كلَفاً بالحبِّ أنْ مُنعتْ … أحبُّ شيءٍ إلى الإنسانِ ما مُنعا
وكمْ دنيٍّ لها قدْ صرْتُ أتبعهُ … ولو صحا القلبُ عنها كانَ لي تبعا
ومحمد بن بشير حيث يقول:
ولقدْ أردتُ الصَّبرَ عنكِ فعاقني … علقٌ بقلبي منْ هواكِ قديمُ
يبقى علَى حدثِ الزَّمانِ وريْبِهِ … وعلَى جفائكِ إنَّهُ لَكريمُ
وذو الرمة حيث يقول:
إذا قلتُ أسلو عنكِ ما ميُّ لم يزلْ … محلٌّ لِداري من دياركِ ناكسُ
فكيف بميٍّ لا توآتيكَ دارُها … ولا أنتَ طاوي الكشحِ عنها فيائسُ
وللبحتري:
وإذا هممْتُ بوصلٍ غيركِ ردَّني … ولهٌ عليكِ وشافعٌ لكِ أوَّلُ
وأعِزُّ ثمَّ أزِلُّ ذلَّةَ عاشقٍ … والحبُّ فيهِ تعزُّزٌ وتذلُّلُ
ولبعض أهل هذا العصر في هذا النحو وإن لم يكن على ذلك التمام في باب النقصان:
أيا حالفاً أنِّي علَى العهدِ ناكثٌ … تأكَّدْ رعاكَ اللهُ أنَّكَ حانثُ
تجنَّيتَ مُذْ عامينِ ذنباً لَمَ اجنهِ … عليكَ وهذا العامَ قدْ تمَّ ثالثُ
إذا عرضَتْ نفسي فقمْتُ بسلوةٍ … أما ذاكَ إشفاقٌ قديمٌ وحادثُ
تسحب علَى صرفِ اللَّيالي ولا تُرعْ … فجُرمكَ منْسيٌّ وحبُّكَ لابثُ
وكلُّ أذًى تأتيهِ كيْما تُملَّني … فذاكَ علَى ألَاّ أملَّكَ باعثُ
وقال الحسين بن الضحاك:
كأنِّي إذا فارقْتُ شخصَكِ ساعةً … لفقدكِ بينَ العالمينَ غريبُ
وقد رمتُ أسبابَ السُّلوِّ فخانَني … ضميرٌ عليهِ من هواكِ رقيبُ
فما لي إلى ما تشتهينَ مُسارعٌ … وفعلُكِ ممَّا لا أحبُّ قريبُ
أغرَّكِ صفحي عنْ ذنوبٍ كثيرةٍ … وغضِّي علَى أشياءَ منكِ تُريبُ
كأنْ لم يكنْ في النَّاسِ قبلي مُتيَّمٌ … ولم يكُ في الدُّنيا سواكِ حبيبُ
إلى الله أشكو إذْ ذُكرتِ فلمْ يكنْ … بشكوايَ من عطفِ الحبيبِ نصيبُ
وقال محرز العكلي:
يظلُّ فؤادي شاخصاً من مكانهِ … وراء الغواني مُستهاماً مُتيَّما
إذا قلتُ ماتَ الشَّوقُ منهُ تنسَّمَتْ … لهُ أرْيحيَّاتُ الصِّبى فتنسَّما
وقال آخر:
لعمرُكَ ما يدري غُنيُّ بنُ مالكٍ … لَعلَّ الهوَى بعدَ التَّجلُّدِ قاتلُهْ
وما تُحدِثُ الأيَّامُ والدَّهرُ لمْ تزلْ … لِلَيلى كثيراتُ الهوَى وقلائلُهْ
وقال قيس بن ذريح:
وإنِّي وإنْ أزمعْتُ عنها تجلُّداً … علَى العهدِ فيما بيننا لَمقيمُ
إلى الله أشكو فقدَ لُبنى كما شكا … إلى اللهِ فقدَ الوالديْنِ يتيمُ
ولبعض أهل هذا العصر:
أبى لي الوفاءُ دوامَ الجفا … وحلَّ الحنينُ عديمَ العزا
قعدْتُ إلى الوصلِ مُستعطفاً … وقدْ كنتُ قبلُ شديدَ الإبا
وإنِّي لَفي طولِ كتْمِ الهوَى … وستْريهِ عنكَ بفرطِ الجفا
كمنْ ينفخُ البوقَ مُستخفياً … ويضربُ بالطَّبل تحتَ الكِسا
فيا قلبُ ويحكَ كُنْ حازماً … إذا تاهَ رامَ سبيلَ النَّجا
ولا تكُ ذا عزمةٍ جاهلاً … إذا ما اعتدى لجَّ في الاعتدا
فسلِّ الحُقودَ برعْيِ العُهودِ … وداوِ الجفاءَ برعْيِ الوفا
فأوجعُ منْ حملِ عتبِ الصَّفا … زوالُ الصَّفاءِ وقطعُ الإخا
فسامحْ هواكَ وكنْ مُدنفاً … أحبَّ الدَّواء لحبِّ الشِّفا
وأنشدني أحمد بن يحيى لمجنون بني عامر:
وداعٍ دعا إذْ نحنُ بالخيْفِ منْ مِنًى … فهيَّجَ أطرابَ الفؤادِ وما يدري
دعا باسمِ ليلَى غيرِها فكأنَّما … أطارَ بليلى طائراً كانَ في صدري
وزادني غيره:
عرضْتُ علَى قلبي العزاءَ فقال لي … منَ الآنِ فاجزعْ لا أغرُّكَ بالصَّبرِ
يقول امرؤ القيس:
سمَا لكَ شوقٌ بعدَ ما كانَ أقصرَا … وحلَّتْ سُليمى بطنَ خبتٍ فعرْعرَا
كنانيَّةٌ باتتْ وفي الصَّدرِ ودُّها … مجاورةَ النُّعمانِ والحيَّ يَعمرا
وفي ضده هذا المعنى الَّذي ذممناه بقول الملتمس:
صبَا مِنْ بعدِ سلوتهِ فؤادِي … وأسمحَ للقرينةِ بالقيادِ
كأنِّي شاربٌ يومَ استقلُّوا … وحثَّ بهم إلى الموماةِ حادِي
عُقاراً عتِّقتْ في الدَّنِّ حتَّى … كأنَّ حُبابها حدقُ الجرادِ
وقال البحتري:
عنانِي مِنْ صدودكِ ما عنانِي … وعاودَني هواكِ كما بدانِي
وذكَّرني التَّباعدُ ظلَّ عيشٍ … لهوْنا فيهِ أيَّامَ التَّداني
أُلامُ علَى هوَى الحسناءَ ظلماً … وقلبي في يدِ الحسناءِ عانِي
وأنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي لزياد بن منقذ:
لا حبَّذا أنتِ يا صنعاءُ مِنْ بلدٍ … ولا شعوبُ هوًى منَّا ولا نقمُ
وحبَّذا حيثُ تُمسي الرِّيحُ باردةً … وادِي أُشيَّ وفتيانٌ بهِ هُضمُ
ألموسعونَ إذا ما جرَّ غيرهمُ … علَى العشيرةِ والكافُونَ ما جرَموا
لمْ ألقَ بعدهمُ قوماً فأخبرهمْ … إلَاّ يزيدهمُ حبّاً إليَّ همُ
مُخدَّمونَ ثقالٌ في مجالسهمْ … وفي الرِّجالِ إذا صاحبتهمْ خدمُ
وقال امرؤ القيس:
تأوَّبني دائِي القديمُ فغلَّسَا … أُحاذرُ أنْ يزدادَني فأُنكَّسا
ولمْ يرمِ الدَّارَ الكئيبُ فشعشعاً … كأنِّي أُنادِي أوْ أُكلِّمُ أخرسا
فلوْ أنَّ الدَّارَ فيها كعهدهمْ … وجدتُ مَقيلاً فيهمِ ومعرَّسا
فلا تُنكريني إنَّني أنا جاركمْ … لياليَ حلَّ الحيُّ غوْلا فألعَسا
وقال آخر:
وقد كنتُ قبلَ اليومِ أحسبُ أنَّني … ذلولٌ لأيَّامِ الفراقِ أريبُ
فأشرفتُ يوماً للوداعِ فشاقَنِي … وذو الشَّوقِ في أعلَى اليفاعِ طروبُ
فما برحتْ نفسي تساقطُ أنفساً … وتجمدُ روحي مرَّةً وتذوبُ
وقال بشار:
إرجعْ إلى سكنٍ تُعزُّ بهِ … أفِدَ الزَّمانُ وأنتَ منفردُ
نرجو غداً وغدٌ كحاملةٍ … في الحيِّ لا يدرونَ ما تلدُ
وقال أبو تمام:
ألبينُ جرَّعني نقيعَ الحنظلِ … والبينُ أثكلني وإنْ لم أُثكلِ
ما حسرَتي أنْ كدتُ أتلفُ إنَّما … حسراتُ نفسِي أنَّني لم أفعلِ
كم منزلٍ في الأرضِ يألفهُ الفتَى … وحنينهُ أبداً لأوَّلِ منزلِ
نقِّلْ فؤادكَ حيثُ شئتَ منَ الهوَى … ما الحبُّ إلَاّ للحبيبِ الأوَّلِ
وقال زرعة الجعدي:
إذا ما التَقَيْنا بعدَ شحطٍ منَ النَّوى … تعرَّضَ بخلٌ بينَنا مُتتابعُ
أهابُ وأستحيي فلستُ بقائلٍ … صِليني ولا معروفُها ليَ نافعُ
رمتْ عينَ مَنْ تهوَى بعينِ خليَّةٍ … وأُخرى إلينا بالمودَّةِ طائعُ
إذا الموتُ نسَّى حبَّ ليلَى فإنَّه … إذا راجعتْ نفسي الحياةُ لراجعُ
وقال الوليد بن عبيد الطائي:
أحببْ إليَّ بطيفِ سُعدى الآتِي … وطروقهِ في أعجبِ الأوقاتِ
أنَّى اهتديتَ لمُحْرمينَ تصوَّبوا … لسفوحِ مكَّةَ مِنْ رُبى عرفاتِ
ذكَّرتنا عهدَ الشَّآمِ وعيشَنا … بينَ القنانِ السُّودِ فالهضباتِ
إذْ أنتَ شكلُ موافقٍ ومخالفٍ … والدَّهرُ فيكَ ممانعٌ ومؤاتِ
أبني عبيدٍ شدَّ ما احترقتْ لكمْ … كبدِي وفاضتْ فيكمُ عبَراتِي
ألقَى مكارمكمْ شجًى لي بعدكمْ … وأرَى سوابقَ دمعكمْ حسَراتِي
لمْ تحدثِ الأيَّامُ لي بدلاً بكمْ … أيْهاتِ مِنْ بدلٍ بكمْ أيْهاتِ
وقال آخر:
إذا قيلَ أنَّ النَّأيَ يُسليكَ ذكرَها … ألمَّ خيالٌ مِنْ أُميمةَ يُسعفُ
فمنْ لامَني في أنْ أهيمَ بذكرِها … تكلَّفَ مِنْ وجدٍ بها ما أُكلَّفُ
فإذا كان طيف الخيال يردُّ الهوَى على من قد سلاه ويذكر عهد الصبا من قد تناساه فما ظنُّك بحضور الفراق والهجران ومقاساة الاستبدال بالإخوان هذه أحوالٌ لا يقاومها الجفاء ولا يعارضها العزاء غير أنَّ من كان سلوُّه سلوُّ استغناءٍ لم يكترث لورود شيءٍ من هذه الأشياء.
الباب الثالث والعشرون
مَنْ غلبهُ هواهُ علَى الصَّبر
مَنْ غلبهُ هواهُ علَى الصَّبر صبرَ لمنْ يهواهُ علَى الغدرِ
هذه الحال ليست جارية على الترتيب فيقع لصاحبها عذر أو تأنيب لأنها حال قد تجاوزت حدَّ العشق برضى المحب بكل فعل المحبوب وهو صاح عنها فأوقع له اختياره الرضى بها والمحبة معها ثمَّ تبعتها أشياء من غير جنسها إلَاّ أنَّها ليست هتكاً لحجاب المودة فاجتمعت معها وهذه حال وقعت بالمحبوب بعد أن وقع الرضى من محبة بخلافها ثمَّ وقع السخط منه بحدوثها والتباعد من صاحبها ثمَّ عرضت الحيرة الَّتي لا تمييز معها فردَّته بالصُّغر إلى ما لا يرضاه وصيَّرته على ما كان قبل وقوعه يخشاه وبين الرضى الاختياري وبين الرضى الاضطراري بَوْنٌ بعيد.
قال ذو الرمة:
أجِدَّكَ قد ودَّعتَ ميَّةَ إذْ نأتْ … فولَّى بقايا الحبِّ إلَاّ أمينُها
وإنِّي لطاوٍ سرَّها موضعَ الحشا … كُمونَ الثَّرى في عهدةٍ يستبينُها
لئنْ زُوِّجتْ ميٌّ خُنيساً لطالَ ما … بغَى منذرٍ ميّاً خليلاً يهينُها
تزينُكَ إنْ جرَّدتها من ثيابِها … وأنتَ إذا جرِّدتَ يوماً تشينُها
ولمَّا أتاني أنَّ ميّاً تزوَّجتْ … خُنيساً بكى سهلُ المِعَى وحزونُها
فيا نفسُ ذلِّي بعدَ ميٍّ وسامحِي … فقدْ سامحتْ ميٌّ وذلَّ قرينُها
وقال عمر بن نجا:
أتَى البخلُ دونَ الجودِ مِنْ أُمِّ واصلٍ … وضنَّ علينا بالعطاءِ ضنينُها
فللهِ درِّي يومَ مالتْ مودَّتي … إليها ولم ترجعْ إليَّ يمينُها
وما خُنتها إنَّ الخيانةَ كاسمِها … ولا نصحتْ نفسي لنفسٍ تخونُها
مددتِ حبالاً منكِ حتَّى تقطَّعتْ … إليَّ وما خانَ الحبالَ متينُها
فكيفَ أشعتِ السِّرَّ أُمَّ واصلٍ … وما أخلصَ الأسرارَ إلَاّ أمينُها
وقال آخر:
أكرُّ إلى ليلَى وأحسبُ أنَّني … كريمٌ علَى ليلَى وغيري كريمُها
فأصبحتُ قد أجمعتُ هجراً لبيتِها … وفي العينِ مِنْ ليلَى قذًى ما يريمُها
لئنْ آثرتْ بالودِّ أهلَ بلادِها … علَى نازحٍ مِنْ أرضِها لا يريمُها
وما يستوِي مَنْ لا يرَى غيرَ لمَّةٍ … ومَنْ هوَ عندَها لا يريمُها
وقال بعض الأعراب:
شكوتُ إلى رفيقيَّ الَّذي بي … فجاءانِي وقد جمعَا دواءَ
وجاءا بالطَّبيبِ ليكوِياني … وما أبغِي عدِمتُهُما اكتواءَ
فلو ذهبا إلى ليلَى فشاءتْ … لأهدتْ لِي منَ السَّقمِ الشِّفاءَ
تقولُ نعمْ سأقضِي ثمَّ تلوِي … ولا تنوِي وإنْ قدرتْ قضاءَ
أصارمةٌ حبالَ الوصلِ ليلَى … لأخضعَ يدَّعي دونِي ولاءَ
ومؤثرةُ الرِّجالِ عليَّ ليلَى … ولم أُؤثرْ علَى ليلَى النِّساءَ
ولو كانتْ تسوسُ البحرَ ليلَى … صدرْنا عن شرائعهِ ظماءَ
فمرَّا صاحبيَّ بدارِ ليلَى … جُعلتُ لها وإنْ بخلتْ فداءَ
أريتُكَ إنْ منعتَ كلامَ ليلَى … أتمنعُني علَى ليلَى البكاءَ
ولبعض أهل هذا العصر:
وتزعم للواشين أني فاسدٌ … عليك وأني لستُ مما عهدتني
وما فسدت لي يشهدُ اللهُ نيةٌ … ولكنما استفسدتني فأتهمتني
غدرتَ بعهدي عامداً وأخفتني … فخفت ولو آمنتني لأتمنتني
إلى الله أشكو لا إليك فطالما … شكوت الذي ألقى إليك فزدتني
وله أيضاً:
أُفوِّضُ أسبابي إلى اللهِ كلَّها … وأقنعُ بالمقدورِ فيها وأرتَضي
واسمحُ بالتَّفويضِ حتَّى إذا انتهَى … ضميري إلى ما بينَنا لم أُفوِّضِ
وباللهِ لو خيِّرتُ بينكَ غادراً … وبينَ كِلا المُلكينِ تخييرَ مُقتضِ
رضيتُكَ حظّاً منهما غيرَ أنَّني … بهذا الَّذي ترضاهُ لي غيرُ مرتضِ
وله أيضاً:
أبتْ غلَباتُ الشَّوقِ إلَاّ تقرُّبا … إليكَ ونأيُ العذلِ إلَاّ تجنُّبا
عليَّ رقيبٌ منكَ خالٍ بمهجَتي … إذا أنا سهَّلتُ اطِّراحكَ صعَّبا
فها أنذا وقفٌ عليكَ مجرَّبٌ … إذا ما نبَا بي مركبٌ رمتُ مركبَا
وما كانَ صدِّي عنكَ صدَّ ملالةٍ … ولا كانَ إقبالي عليكَ تطرُّبا
ولا كانَ ذاكَ العذلُ إلَاّ نصيحةً … ولا ذلكَ الإغضاءُ إلَاّ تهيُّبا
ولا الهجرُ إلَاّ فرطُ منٍّ ولا الرِّضى … بلا سببٍ إلَاّ اشتياقاً معذَّبا
ومَنْ يُمنعِ العذب الزُّلال ويمتنعْ … منَ الشُّربِ مِنْ سؤرِ الكلابِ تغضُّبا
خليقٌ إذا لمْ يستطعْ شربَ غيرهِ … وخافَ المنايا أنْ يذلَّ فيشربا
إذا المرءُ لمْ يُقدرْ لهُ ما يريدُهُ … أرادَ الَّذي يُقضى لهُ شاءَ أمْ أبى
وأنشد أعرابي ببلاد نجد:
فيا عجبَا مِنْ صونيَ الودَّ في الحشا … لمنْ هوَ فيما قد بدَا لي واترُ
ومِنْ طلبِي بالودِّ ثأري ولم يكنْ … ليُدركَ تبلاً بالمودَّةِ ثائرُ
فيا عجبَا منِّي ومنها تُضيعُني … وأحفظُها هذا اختلافُ السَّرائرِ
ويا عجبَا كيفَ اتَّفقنا فناصحٌ … مصرٌّ ومطويٌّ علَى الغشِّ غادرُ
وقال البحتري:
مغتربُ الدَّارِ إنْ أرضهُ أجدْ … مسافةَ النَّجم دونَ مُغتربهْ
راجعتهُ القولَ في ملاطفةٍ … أهربُ مِنْ صدقهِ إلى كذبهْ
وقال آخر:
سأعرضُ بالشَّكِ دونَ اليقينِ … حتَّى أُحسِّنَ غيرَ الحسنْ
وأقنعُ إذْ خُنتني مُعلناً … بقولكَ في السِّرِّ لي لم أخنْ
وقال مسلم بن الوليد:
سلوتُ وإنْ قالَ العواذلُ لا يسلو … وأقسمتُ لا يرقَى إلى سمعيَ العذلُ
أجارتنا ما في فراقكِ راحةٌ … ولكنْ جرَى قولٌ فأنتِ بهِ بَسلُ
أمَا واغتيالِ الدَّهرِ خلَّةَ بينَنا … لقد غالَ إلفاً ساكناً بهمُ الشَّملُ
فما بِي إلى مستطرفِ العيشِ وحشةٌ … وإنْ كنتُ لا مالٌ لديَّ ولا أهلُ
تتالَى بكِ الأمرُ الَّذي تكرهينهُ … إلى الحلمِ بالعُتبَى وقد سبقَ الجهلُ
عليكِ سلامٌ مِنْ أخٍ كانَ صاحباً … بهِ تنزلُ الشَّكوى ويحتملَ الثِّقلُ
إذا تمَّ حالٌ وهو غايةُ مَنْ بكى … حلا بعدكِ العيشُ الَّذي قلتُ لا يحلُو
وهذا كلام يستغني قارئه بقراءته عن التَّنبيه على تناقضه واستحالته ولا عذر في ذلك إلَاّ غلبة الحيرة على قائله وفي دون هذه الحال ما يذهل العقول ويطيش الألباب وليس العجب ممَّن أخطأ في هذا وإنَّما العجب ممَّن أصاب.
وقال علي بن محمد العلوي:
لياليَ يألفُكَ الغانياتُ … وكنَّ وكنتَ صغيراً صغارا
وقد كنتَ تملكُ ألحاظهنَّ … فصرنَ يُعرنكَ لحظاً مُعارا
فأصبحنَ أعقبنَ بعدَ الودادِ … بعاداً وبعدَ السُّكونِ النَّفارا
لا غرَّني غررُ الحادثاتِ … وقد كنتُ أوسِعُهنَّ اغترارا
وقال البحتري:
أَخفي هوًى في الضُّلوعِ وأُظهرُ … وأُلامُ في كمدٍ عليكِ وأُعذرُ
وأراكِ خنتِ على النَّوى مَنْ لم يخنْ … عهدَ الهوَى وهجرتِ مَنْ لا يهجرُ
وطلبتُ منكِ مودَّةً لم أُعطَها … إنَّ المعنَّى طالبٌ لا يظفرُ
هل دَينُ عَلوةَ يُستطاعُ فيُقتضى … أوْ ظلمُ عَلوةَ يستفيقُ فيُقصِرُ
وقال أيضاً:
تمادَى بها وجدِي وملِّكَ وصلَها … خليُّ الحشا في وصلِها جدُّ زاهدِ
وما النَّاسُ إلَاّ واجدٌ غيرُ مالكٍ … لِما يبتغِي أوْ مالكٌ غيرُ واجدِ
سقَى الغيثَ أكتافَ الحِمى مِنْ محلَّةٍ … إلى الحِقفِ مِنْ رملِ اللِّوى المُتقاوِدِ
وقال آخر:
طلبتُ أخاً محضاً صحيحاً مسلَّماً … نقيّاً منَ الآفاتِ في كلِّ موسمِ
لأمنحَهُ ودِّي فلم أُدركِ الَّذي … طلبتُ ومَنْ لي بالصَّحيحِ لمسلمِ
وقال الأحوص:
قد ودَّعتْكَ وداعَ الصَّارمِ القالي … نعمْ وداعُ بناءٍ غيرَ إذلالِ
وعادَ ما ودَّعتني مِنْ مودَّتها … بعدَ المواثيقِ كالجاري منَ الآلِ
فقلتُ لمَّا أتاني أنَّها ختَرَتْ … وطاوعتْ قولَ أعدائِي وعذَّالي
إنْ تصرمِ الحبلَ أوْ تُرضِ الوشاةَ بنا … أوْ تُمسِ قد رضيَتْ منَّا بأبدالِ
فقد أراها وما تبغِي بنا بدَلاً … ولا تطيعُ بنا في سالفِ الحالِ
أبقَى لها الدَّهرُ مِنْ ودِّي الَّذي عهدتْ … أمرَينِ لم يبرَحا منِّي علَى بالِ
شوقاً إليها إذا بتَّتْ مناسبَها … يوماً وأبصرتُ منها رسمَ أطلالِ
وحفظَ ما استودعتْ عندِي وقد زعمتْ … أنْ ليسَ يحسنُ حفظَ السِّرِّ أمثالِي
إنْ كانَ يُسلِي فؤادِي ما أتيتِ بهِ … فلا رجعتُ إلى أهلي ولا مالي
جُهداً لأُعلمَها الودَّ الَّذي عهدتْ … عندِي وأكَّدتُ أقوالاً بأقوالِ
وقال أيضاً:
متى ما تُحلِّي مِنْ ذُرى الأرضِ تلعةً … أزركِ ويكثرْ حيثُ كنتِ تردُّدي
وإنْ كدتُ شوقاً موهناً وذكرتُها … لأرجعُ بالرَّوحاءِ عَودِي علَى بَدِي
وقلتُ لعينِي قد شقيتُ بذكرِها … فجودِي بماءِ المقلتينِ أوِ اجمُدي
أجدَّكَ تنسَى أُمَّ عمرٍو وذكرُها … شعاركَ دونَ الثَّوبِ في كلِّ مرقدِ
فإنْ تتَّبعها تُغضِ عيناً علَى القذَى … وإنْ تجتنبْها بعدَ ما نلتَ تكمدِ
أمَّا من دعته الضرورة إلى الصبر على من غدر به فلا مدخل لنا في أمره وأما من يتمنَّى لإلفه أن يميل إلى حبِّ غيره ليكون ذلك عاطفاً له عليه وداعياً له إلى وصله فهو من الحمق في محلٍّ قلَّ ما يتهيَّأ مثله وما أحسب من هذه صفته يكون إلَاّ داخلاً في جملة من وقعت لهم المحابُّ لتنفيذ ضرب من الشَّهوات.
وقال بعض المحدثين:
ولمَّا بدا لي أنَّها ما تحبُّني … وأنَّ فؤادِي ليسَ عنها بمُنسلِي
تمنَّيتُ أنْ تهوَى سوايَ لعلَّها … تذوقُ حراراتِ الهوَى فترقُّ لي
وأحس من هذا ومن كل ما تقدمه قول الآخر:
واللهِ لا نظرتْ عيني إليكَ ولا … سالتْ مساربُها شوقاً إليكَ دمَا
إلَاّ رياءً لدفعِ القولِ عنكَ ولا … نازعتُكَ الدَّهر إلَاّ مكرهاً كلمَا
إنْ كنتَ خنتَ فلمْ أُضمرْ خيانتكمْ … واللهُ يأخذُ ممَّن خانَ أوْ ظلمَا
سماحةً لمحبٍّ خانَ صاحبهُ … ما خانَ قطُّ محبٌّ يعرفُ الكرمَا
هذا البائس قد ألزم نفسه قطيعة من غدر به وصبَّرها على المكروه كله إلَاّ أنَّه مع ذلك غير مضيع لما في ذمَّته من رعاية صاحبه بنفي الظُّنون عنه وهذا أكثر ما يمكن من الرعاية أو أتمُّ ما يتهيَّأ من الصِّيانة لمن بادر بالخيانة ولمن ضيَّع حقوق الأمانة ومن منع نفسه من طاعة الاشتياق وهو بعد مقيم تحت راية الإشفاق فقد قدر على أمر عظيم وظفر بحظ جسيم.
وقال جميل:
أتَوْني فقالُوا يا جميلُ تبدَّلتْ … بُثينةُ أبدالاً فقلتُ لعلَّها
وعلَّ حبالاً كنتُ أحكمتُ عقدَها … أُتيحَ لها واشٍ رفيقٌ فحلَّها
وحدثني أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي قال: حدثنا عبد الملك بن شبيب قال: حدثنا مشيختنا قال: بينما الحكم بن عمر الغفاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير بخراسان في بعض البلاد وهو واليها إذ سمع في بعض غياطلها رجلاً يغنِّي بهذين البيتين:
تعزَّ بصبرٍ لا وجدِّكَ لا تُرى … بِوادِي الحصى أُخرى اللَّيالي الغوابرِ
كأنَّ فؤادِي مِنْ تذكُّرهِ الحمى … وأهلَ الحمى يهفو بهِ ريشُ طائرِ
فوقف وقال عليَّ بالرجل فأُتي به فقال ويحك ما أنت؟ قال رجل من أهل نجد من بني عامر كنت في الدَّهر من بني عامر فقال: هل لك في الحمى؟ فقال ما لي إلى ذلك سبيل ولي بالبلاد أهل وولد قال فإني أحمل معك أهلك وولدك قال فكيف بالمعاش لا حاجة لي في هذا قال ما من ذلك بدّ وأمر به أن يُحمل قال فاضطرب في أيديهم حتَّى مات وهذا من أعجب ما سمعت في معناه ولا أعرف لهذا الرجل عذراً في الفرار من الموضع الَّذي يهواه إلَاّ أن يكون قد اتَّصل به عن محبوبه من الغدر ما لا تنبسط على مثله يد الصَّبر فكان المقام على الفراق والتَّجلُّد على دواعي الاشتياق أهون عليه من مشاهدة ما لا طاقة له به عند التَّلاق.