قطوف الأدب من كلام العرب ( ‌‌مَنْ غلبهُ هواهُ علَى الصَّبر)

 ‌‌مَنْ غلبهُ هواهُ علَى الصَّبر

‌‌مَنْ غلبهُ هواهُ علَى الصَّبر صبرَ لمنْ يهواهُ علَى الغدرِ



هذه الحال ليست جارية على الترتيب فيقع لصاحبها عذر أو تأنيب لأنها حال قد تجاوزت حدَّ العشق برضى المحب بكل فعل المحبوب وهو صاح عنها فأوقع له اختياره الرضى بها والمحبة معها ثمَّ تبعتها أشياء من غير جنسها إلَاّ أنَّها ليست هتكاً لحجاب المودة فاجتمعت معها وهذه حال وقعت بالمحبوب بعد أن وقع الرضى من محبة بخلافها ثمَّ وقع السخط منه بحدوثها والتباعد من صاحبها ثمَّ عرضت الحيرة الَّتي لا تمييز معها فردَّته بالصُّغر إلى ما لا يرضاه وصيَّرته على ما كان قبل وقوعه يخشاه وبين الرضى الاختياري وبين الرضى الاضطراري بَوْنٌ بعيد.

قال ذو الرمة:

أجِدَّكَ قد ودَّعتَ ميَّةَ إذْ نأتْ … فولَّى بقايا الحبِّ إلَاّ أمينُها

وإنِّي لطاوٍ سرَّها موضعَ الحشا … كُمونَ الثَّرى في عهدةٍ يستبينُها

لئنْ زُوِّجتْ ميٌّ خُنيساً لطالَ ما … بغَى منذرٍ ميّاً خليلاً يهينُها

تزينُكَ إنْ جرَّدتها من ثيابِها … وأنتَ إذا جرِّدتَ يوماً تشينُها

ولمَّا أتاني أنَّ ميّاً تزوَّجتْ … خُنيساً بكى سهلُ المِعَى وحزونُها

فيا نفسُ ذلِّي بعدَ ميٍّ وسامحِي … فقدْ سامحتْ ميٌّ وذلَّ قرينُها

وقال عمر بن نجا:

أتَى البخلُ دونَ الجودِ مِنْ أُمِّ واصلٍ … وضنَّ علينا بالعطاءِ ضنينُها

فللهِ درِّي يومَ مالتْ مودَّتي … إليها ولم ترجعْ إليَّ يمينُها

وما خُنتها إنَّ الخيانةَ كاسمِها … ولا نصحتْ نفسي لنفسٍ تخونُها

مددتِ حبالاً منكِ حتَّى تقطَّعتْ … إليَّ وما خانَ الحبالَ متينُها

فكيفَ أشعتِ السِّرَّ أُمَّ واصلٍ … وما أخلصَ الأسرارَ إلَاّ أمينُها

وقال آخر:

أكرُّ إلى ليلَى وأحسبُ أنَّني … كريمٌ علَى ليلَى وغيري كريمُها

فأصبحتُ قد أجمعتُ هجراً لبيتِها … وفي العينِ مِنْ ليلَى قذًى ما يريمُها

لئنْ آثرتْ بالودِّ أهلَ بلادِها … علَى نازحٍ مِنْ أرضِها لا يريمُها

وما يستوِي مَنْ لا يرَى غيرَ لمَّةٍ … ومَنْ هوَ عندَها لا يريمُها

وقال بعض الأعراب:

شكوتُ إلى رفيقيَّ الَّذي بي … فجاءانِي وقد جمعَا دواءَ

وجاءا بالطَّبيبِ ليكوِياني … وما أبغِي عدِمتُهُما اكتواءَ

فلو ذهبا إلى ليلَى فشاءتْ … لأهدتْ لِي منَ السَّقمِ الشِّفاءَ

تقولُ نعمْ سأقضِي ثمَّ تلوِي … ولا تنوِي وإنْ قدرتْ قضاءَ

أصارمةٌ حبالَ الوصلِ ليلَى … لأخضعَ يدَّعي دونِي ولاءَ

ومؤثرةُ الرِّجالِ عليَّ ليلَى … ولم أُؤثرْ علَى ليلَى النِّساءَ

ولو كانتْ تسوسُ البحرَ ليلَى … صدرْنا عن شرائعهِ ظماءَ

فمرَّا صاحبيَّ بدارِ ليلَى … جُعلتُ لها وإنْ بخلتْ فداءَ

أريتُكَ إنْ منعتَ كلامَ ليلَى … أتمنعُني علَى ليلَى البكاءَ

ولبعض أهل هذا العصر:

وتزعم للواشين أني فاسدٌ … عليك وأني لستُ مما عهدتني

وما فسدت لي يشهدُ اللهُ نيةٌ … ولكنما استفسدتني فأتهمتني

غدرتَ بعهدي عامداً وأخفتني … فخفت ولو آمنتني لأتمنتني

إلى الله أشكو لا إليك فطالما … شكوت الذي ألقى إليك فزدتني

وله أيضاً:

أُفوِّضُ أسبابي إلى اللهِ كلَّها … وأقنعُ بالمقدورِ فيها وأرتَضي

واسمحُ بالتَّفويضِ حتَّى إذا انتهَى … ضميري إلى ما بينَنا لم أُفوِّضِ

وباللهِ لو خيِّرتُ بينكَ غادراً … وبينَ كِلا المُلكينِ تخييرَ مُقتضِ

رضيتُكَ حظّاً منهما غيرَ أنَّني … بهذا الَّذي ترضاهُ لي غيرُ مرتضِ

وله أيضاً:

أبتْ غلَباتُ الشَّوقِ إلَاّ تقرُّبا … إليكَ ونأيُ العذلِ إلَاّ تجنُّبا

عليَّ رقيبٌ منكَ خالٍ بمهجَتي … إذا أنا سهَّلتُ اطِّراحكَ صعَّبا

فها أنذا وقفٌ عليكَ مجرَّبٌ … إذا ما نبَا بي مركبٌ رمتُ مركبَا

وما كانَ صدِّي عنكَ صدَّ ملالةٍ … ولا كانَ إقبالي عليكَ تطرُّبا

ولا كانَ ذاكَ العذلُ إلَاّ نصيحةً … ولا ذلكَ الإغضاءُ إلَاّ تهيُّبا

ولا الهجرُ إلَاّ فرطُ منٍّ ولا الرِّضى … بلا سببٍ إلَاّ اشتياقاً معذَّبا

ومَنْ يُمنعِ العذب الزُّلال ويمتنعْ … منَ الشُّربِ مِنْ سؤرِ الكلابِ تغضُّبا

خليقٌ إذا لمْ يستطعْ شربَ غيرهِ … وخافَ المنايا أنْ يذلَّ فيشربا

إذا المرءُ لمْ يُقدرْ لهُ ما يريدُهُ … أرادَ الَّذي يُقضى لهُ شاءَ أمْ أبى

وأنشد أعرابي ببلاد نجد:

فيا عجبَا مِنْ صونيَ الودَّ في الحشا … لمنْ هوَ فيما قد بدَا لي واترُ

ومِنْ طلبِي بالودِّ ثأري ولم يكنْ … ليُدركَ تبلاً بالمودَّةِ ثائرُ

فيا عجبَا منِّي ومنها تُضيعُني … وأحفظُها هذا اختلافُ السَّرائرِ

ويا عجبَا كيفَ اتَّفقنا فناصحٌ … مصرٌّ ومطويٌّ علَى الغشِّ غادرُ

وقال البحتري:

مغتربُ الدَّارِ إنْ أرضهُ أجدْ … مسافةَ النَّجم دونَ مُغتربهْ

راجعتهُ القولَ في ملاطفةٍ … أهربُ مِنْ صدقهِ إلى كذبهْ

وقال آخر:

سأعرضُ بالشَّكِ دونَ اليقينِ … حتَّى أُحسِّنَ غيرَ الحسنْ

وأقنعُ إذْ خُنتني مُعلناً … بقولكَ في السِّرِّ لي لم أخنْ

وقال مسلم بن الوليد:

سلوتُ وإنْ قالَ العواذلُ لا يسلو … وأقسمتُ لا يرقَى إلى سمعيَ العذلُ

أجارتنا ما في فراقكِ راحةٌ … ولكنْ جرَى قولٌ فأنتِ بهِ بَسلُ

أمَا واغتيالِ الدَّهرِ خلَّةَ بينَنا … لقد غالَ إلفاً ساكناً بهمُ الشَّملُ

فما بِي إلى مستطرفِ العيشِ وحشةٌ … وإنْ كنتُ لا مالٌ لديَّ ولا أهلُ

تتالَى بكِ الأمرُ الَّذي تكرهينهُ … إلى الحلمِ بالعُتبَى وقد سبقَ الجهلُ

عليكِ سلامٌ مِنْ أخٍ كانَ صاحباً … بهِ تنزلُ الشَّكوى ويحتملَ الثِّقلُ

إذا تمَّ حالٌ وهو غايةُ مَنْ بكى … حلا بعدكِ العيشُ الَّذي قلتُ لا يحلُو

وهذا كلام يستغني قارئه بقراءته عن التَّنبيه على تناقضه واستحالته ولا عذر في ذلك إلَاّ غلبة الحيرة على قائله وفي دون هذه الحال ما يذهل العقول ويطيش الألباب وليس العجب ممَّن أخطأ في هذا وإنَّما العجب ممَّن أصاب.

وقال علي بن محمد العلوي:

لياليَ يألفُكَ الغانياتُ … وكنَّ وكنتَ صغيراً صغارا

وقد كنتَ تملكُ ألحاظهنَّ … فصرنَ يُعرنكَ لحظاً مُعارا

فأصبحنَ أعقبنَ بعدَ الودادِ … بعاداً وبعدَ السُّكونِ النَّفارا

لا غرَّني غررُ الحادثاتِ … وقد كنتُ أوسِعُهنَّ اغترارا

وقال البحتري:

أَخفي هوًى في الضُّلوعِ وأُظهرُ … وأُلامُ في كمدٍ عليكِ وأُعذرُ

وأراكِ خنتِ على النَّوى مَنْ لم يخنْ … عهدَ الهوَى وهجرتِ مَنْ لا يهجرُ

وطلبتُ منكِ مودَّةً لم أُعطَها … إنَّ المعنَّى طالبٌ لا يظفرُ

هل دَينُ عَلوةَ يُستطاعُ فيُقتضى … أوْ ظلمُ عَلوةَ يستفيقُ فيُقصِرُ

وقال أيضاً:

تمادَى بها وجدِي وملِّكَ وصلَها … خليُّ الحشا في وصلِها جدُّ زاهدِ

وما النَّاسُ إلَاّ واجدٌ غيرُ مالكٍ … لِما يبتغِي أوْ مالكٌ غيرُ واجدِ

سقَى الغيثَ أكتافَ الحِمى مِنْ محلَّةٍ … إلى الحِقفِ مِنْ رملِ اللِّوى المُتقاوِدِ

وقال آخر:

طلبتُ أخاً محضاً صحيحاً مسلَّماً … نقيّاً منَ الآفاتِ في كلِّ موسمِ

لأمنحَهُ ودِّي فلم أُدركِ الَّذي … طلبتُ ومَنْ لي بالصَّحيحِ لمسلمِ

وقال الأحوص:

قد ودَّعتْكَ وداعَ الصَّارمِ القالي … نعمْ وداعُ بناءٍ غيرَ إذلالِ

وعادَ ما ودَّعتني مِنْ مودَّتها … بعدَ المواثيقِ كالجاري منَ الآلِ

فقلتُ لمَّا أتاني أنَّها ختَرَتْ … وطاوعتْ قولَ أعدائِي وعذَّالي

إنْ تصرمِ الحبلَ أوْ تُرضِ الوشاةَ بنا … أوْ تُمسِ قد رضيَتْ منَّا بأبدالِ

فقد أراها وما تبغِي بنا بدَلاً … ولا تطيعُ بنا في سالفِ الحالِ

أبقَى لها الدَّهرُ مِنْ ودِّي الَّذي عهدتْ … أمرَينِ لم يبرَحا منِّي علَى بالِ

شوقاً إليها إذا بتَّتْ مناسبَها … يوماً وأبصرتُ منها رسمَ أطلالِ

وحفظَ ما استودعتْ عندِي وقد زعمتْ … أنْ ليسَ يحسنُ حفظَ السِّرِّ أمثالِي

إنْ كانَ يُسلِي فؤادِي ما أتيتِ بهِ … فلا رجعتُ إلى أهلي ولا مالي

جُهداً لأُعلمَها الودَّ الَّذي عهدتْ … عندِي وأكَّدتُ أقوالاً بأقوالِ

وقال أيضاً:

متى ما تُحلِّي مِنْ ذُرى الأرضِ تلعةً … أزركِ ويكثرْ حيثُ كنتِ تردُّدي

وإنْ كدتُ شوقاً موهناً وذكرتُها … لأرجعُ بالرَّوحاءِ عَودِي علَى بَدِي

وقلتُ لعينِي قد شقيتُ بذكرِها … فجودِي بماءِ المقلتينِ أوِ اجمُدي

أجدَّكَ تنسَى أُمَّ عمرٍو وذكرُها … شعاركَ دونَ الثَّوبِ في كلِّ مرقدِ

فإنْ تتَّبعها تُغضِ عيناً علَى القذَى … وإنْ تجتنبْها بعدَ ما نلتَ تكمدِ

أمَّا من دعته الضرورة إلى الصبر على من غدر به فلا مدخل لنا في أمره وأما من يتمنَّى لإلفه أن يميل إلى حبِّ غيره ليكون ذلك عاطفاً له عليه وداعياً له إلى وصله فهو من الحمق في محلٍّ قلَّ ما يتهيَّأ مثله وما أحسب من هذه صفته يكون إلَاّ داخلاً في جملة من وقعت لهم المحابُّ لتنفيذ ضرب من الشَّهوات.

وقال بعض المحدثين:

ولمَّا بدا لي أنَّها ما تحبُّني … وأنَّ فؤادِي ليسَ عنها بمُنسلِي

تمنَّيتُ أنْ تهوَى سوايَ لعلَّها … تذوقُ حراراتِ الهوَى فترقُّ لي

وأحس من هذا ومن كل ما تقدمه قول الآخر:

واللهِ لا نظرتْ عيني إليكَ ولا … سالتْ مساربُها شوقاً إليكَ دمَا

إلَاّ رياءً لدفعِ القولِ عنكَ ولا … نازعتُكَ الدَّهر إلَاّ مكرهاً كلمَا

إنْ كنتَ خنتَ فلمْ أُضمرْ خيانتكمْ … واللهُ يأخذُ ممَّن خانَ أوْ ظلمَا

سماحةً لمحبٍّ خانَ صاحبهُ … ما خانَ قطُّ محبٌّ يعرفُ الكرمَا

هذا البائس قد ألزم نفسه قطيعة من غدر به وصبَّرها على المكروه كله إلَاّ أنَّه مع ذلك غير مضيع لما في ذمَّته من رعاية صاحبه بنفي الظُّنون عنه وهذا أكثر ما يمكن من الرعاية أو أتمُّ ما يتهيَّأ من الصِّيانة لمن بادر بالخيانة ولمن ضيَّع حقوق الأمانة ومن منع نفسه من طاعة الاشتياق وهو بعد مقيم تحت راية الإشفاق فقد قدر على أمر عظيم وظفر بحظ جسيم.

وقال جميل:

أتَوْني فقالُوا يا جميلُ تبدَّلتْ … بُثينةُ أبدالاً فقلتُ لعلَّها

وعلَّ حبالاً كنتُ أحكمتُ عقدَها … أُتيحَ لها واشٍ رفيقٌ فحلَّها

وحدثني أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي قال: حدثنا عبد الملك بن شبيب قال: حدثنا مشيختنا قال: بينما الحكم بن عمر الغفاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير بخراسان في بعض البلاد وهو واليها إذ سمع في بعض غياطلها رجلاً يغنِّي بهذين البيتين:

تعزَّ بصبرٍ لا وجدِّكَ لا تُرى … بِوادِي الحصى أُخرى اللَّيالي الغوابرِ

كأنَّ فؤادِي مِنْ تذكُّرهِ الحمى … وأهلَ الحمى يهفو بهِ ريشُ طائرِ

فوقف وقال عليَّ بالرجل فأُتي به فقال ويحك ما أنت؟ قال رجل من أهل نجد من بني عامر كنت في الدَّهر من بني عامر فقال: هل لك في الحمى؟ فقال ما لي إلى ذلك سبيل ولي بالبلاد أهل وولد قال فإني أحمل معك أهلك وولدك قال فكيف بالمعاش لا حاجة لي في هذا قال ما من ذلك بدّ وأمر به أن يُحمل قال فاضطرب في أيديهم حتَّى مات وهذا من أعجب ما سمعت في معناه ولا أعرف لهذا الرجل عذراً في الفرار من الموضع الَّذي يهواه إلَاّ أن يكون قد اتَّصل به عن محبوبه من الغدر ما لا تنبسط على مثله يد الصَّبر فكان المقام على الفراق والتَّجلُّد على دواعي الاشتياق أهون عليه من مشاهدة ما لا طاقة له به عند التَّلاق.

‌‌الباب الرابع والعشرون

‌‌مَنْ تجلَّد علَى النَّوى فقد تعرَّض للبلا

اجتراء العشَّاق على المبادرة إلى الفراق يكون إما لنفي أقوال الوشاة عنهم وعن أنفسهم وإما لضجرة تلحقهم من مكروه يقع بهم وإما لنشاط في النَّفس وزهد ليحقها لقوَّة الظَّفر بما قد حصل لها فترى نفسها أجلَّ من محبوبها لأنَّها مالكة ولا شيء في العالم يعدله وهو وإن كان مالكاً لها فإنَّها لا ترى نفسها في حدِّ ما يُفتخر بملكه فهي لهذه العلَّة تتكبَّر عليه.

ولبعض أهل هذا العصر:

أصولُ بهِ تيهاً عليهِ فمنْ رأَى … منَ النَّاسِ قبلي عاشقاً يتصلَّفُ

إذا خفتُ منهُ الغدرَ أبَى توافياً … يزولُ بهِ خوفي ويبقَى التَّخوُّفُ

وربَّما أعرض العاشق عن المعشوق إما من جهة الامتحان للصبر وإما لتجديد حاله عند محبوبه وكثيراً ما يجري الأمر في ذلك على ضدِّ تقديره.

وفي هذا النحو يقول بعض أهل هذا العصر:

ألا يا قومِي للهوَى المُتزايدِ … وطولِ اشتياقِ الرَّاحلِ المُتباعدِ

رحلتُ لكيْ أحظَى إذا أُبتُ قادماً … فأوردَنِي التّرحالُ سوءَ المواردِ

كأنِّي لديغٌ حارَ عنْ كنهِ دائهِ … طبيبِ فداواهُ بسمِّ الأساودِ

فمالَ معَ الدَّاءِ القديمِ دواؤهُ … فيا لكَ مِنْ داءٍ طريفٍ وتالدِ

وقال أبو تمام:

هيَ البدرُ يُغنيها تودُّدُ وجهها … إلى كلِّ مَنْ لاقتْ وإنْ لم تودَّدِ

علَى أنَّني لمْ أحوِ وفراً مجمَّعاً … ففزتُ بهِ إلَاّ بشملٍ مبدَّدِ

ولمْ تعطِني الأيَّامُ نوماً مسكِّناً … ألذُّ بهِ إلَاّ بنومٍ مشرَّدِ

وطولُ مقامِ المرءِ في الحيِّ مُخلِقٌ … لديباجتيهِ فاغتربْ تتجدَّدِ

فإنِّي رأيتُ الشَّمسَ زيدتْ محبَّةً … إلى النَّاسِ أنْ ليستْ عليهمْ بسرمدِ

وله أيضاً:

أقلْبي قد أضاقَ بُكاكَ ذرعِي … وما ضاقتْ بنازلةٍ ذِراعِي

أآلفةَ النَّحيبِ كمِ افتراقٍ … ألمَّ فكانَ داعيةَ اجتماعِ

وليستْ فرحةُ الأوباتِ إلَاّ … لموقوفٍ علَى ترحِ الوداعِ

وقال زهير بن أبي سلمى:

لعمركَ والخطوبُ معبِّراتٌ … وفي طولِ المعاشرةِ التَّقالي

لقدْ باليتُ مظعنَ أُمِّ أوفَى … ولكنْ أُمُّ أوفَى لا تُبالي

وقال آخر:

وأُعرضُ حتَّى يحسبَ النَّاسُ إنَّما … بيَ الهجرُ لا واللهِ ما بي لكِ الهجرُ

ولكنْ أرُوضُ النَّفسَ أنظرُ هلْ لها … إذا فارقتْ يوماً أحبَّتها صبرُ

وقال آخر:

سأرفضُ ما يخافُ عليَّ منهُ … وأتركُ ما هويتُ لِما خشيتُ

لسانُ المرءِ يُنبي عنْ نجاهُ … وعيُّ المرءِ يسترهُ السُّكوتُ

وقال آخر:

وكنتُ كذِي داءٍ وأنتَ دواؤهُ … فهبْني لدائِي إذْ منعتَ شفائيَا

شفائيَ أنْ تختصَّني بكراهةٍ … وتدرأَ عنِّي الكاشحينَ الأعاديَا

فإلَاّ تنلْني مِنْ يديكَ كرامةٌ … أُولِّ وأُصبحُ مِنْ قرى الشَّآمِ خاليَا

وأرضَى بأُخرى قد تبدَّلتُ إنَّني … إذا ساءني وادٍ تبدَّلتُ واديَا

وإلفٍ صبرتُ النَّفسَ عنهُ وقدْ أرَى … غداةَ فراقِ الحيِّ ألَاّ تلاقيَا

وقدْ قادَني الجيرانُ حبّاً وقدتهمْ … وفارقتُ حتَّى ما تحنُّ جِماليَا

وقال آخر:

وفارقتُ حتَّى ما أُبالي منَ النَّوى … وإنْ بانَ جيرانٌ عليَّ كرامُ

فقدْ جعلتْ نفسِي علَى النَّأيِ تنطوِي … وعَيني علَى فقدِ الحبيبِ تنامُ

وقال عمر بن أبي ربيعة:

وكم مِن خلَّةٍ أعرضتُ عنها … لغيرِ قلًى وكنتُ بها ضنينا

أردتُ فراقَها فصددتُ عنها … ولو جُنَّ الفؤادُ بها جنونا

وقال عمر بن نجا:

تقطَّعَ منها الودُّ إلَاّ بقيَّةً … وحالَ الهوَى عمَّا تريدُ فأبعدَا

فأصبحَ هذا النَّأيُ شيئاً كرهتهُ … عسَى أنْ ترَى ما تكرهُ النَّفسُ أرشدَا

ولم أرَ منها غيرَ مقعدِ ساعةٍ … بهِ اختبلتْ عقلِي فيا لكَ مقعدا

وقال أبو تمام:

تصدَّتْ وحبلُ البينِ مستحصدٌ شزرُ … وقد سهَّلَ التَّوديعُ ما وعَّر الهجْرُ

بكتهُ بما أبكتهُ أيَّامَ صدرُها … خليٌّ وما يخلو لهُ مِنْ هوًى صدْرُ

وقالتْ أتنسى البدرَ قلتُ تجلُّداً … إذا الشَّمسُ لن تغربْ فلا طلعَ البدْرُ

فأبدتْ حناناً مِنْ دموعٍ نظامُها … علَى الخدِّ إلَاّ أنَّ صائغَها الشَّفْرُ

وما الدَّمعُ ثانٍ عزمتي ولَوَ انَّها … سقى خدَّها مِنْ كلِّ عينٍ لها شفْرُ

وقال آخر:

إذا ما أرادَ الغزوَ لمْ يثنِ همَّهُ … حصانٌ عليها نظمُ درٍّ يزينُها

نهتهُ فلم ترَ النَّهيَ عاقهُ … بكتْ فبكَى ممَّا عناها قطينُها

وأنشدني أحمد بن يحيى النحوي:

لمْ أنسَ يومَ الرَّحيلِ عبرَتَها … وطرفُها في دموعِها غرقُ

وقولَها والرِّكابُ واقفةٌ … تترُكُني هكذا وتنطلقُ

وقلَّ من اجترأ هذا الضَّرب من الاجتراء وحمل نفسه على هذه الفظاظة والجفاء إلَاّ كان سريع النَّدم على صنيعه شديد الأسف على تصنيعه فكان كالذي يقول معنِّفاً لنفسه وموبِّخاً لها عند ما نزل به:

بكيتَ دماً حتَّى القيامةِ والحشرِ … ولا زلتَ مغلوبَ العزيمةِ والصَّبرِ

أتظعنُ طوعَ النَّفسِ عمَّن تحبُّهُ … وتبكِي كما يبكِي المُفارقُ عن صغرِ

أقمْ لا تسِرْ والهمُّ عنكَ بمعزلٍ … ودمعكَ باقٍ في جفونكَ لا يجرِي

وكالذي يقول:

أتظعنُ عنْ حبيبكَ ثمَّ تبكِي … عليهِ فمنْ دعاكَ إلى الفراقِ

كأنَّكَ لمْ تذقْ للبينِ طعماً … فتعلمَ أنَّه مرُّ المذاقِ

أقمْ وانعمْ بطولِ القربِ منهُ … ولا تظعنْ وتكتبْ باشتياقِ

فما اعتاضَ المفارقُ مِنْ حبيبٍ … ولو يُعطَى الشَّآمَ معَ العراقِ

وقال يزيد بن الطثرية:

أتبكي علَى ليلَى ونفسكَ باعدتْ … مزاركَ مِنْ ليلَى وشعباكُما معَا

وما حسناً أنْ تأتيَ الصَّرمَ طائعاً … وتجزعَ أنْ داعي الصَّبابةِ أسمعَا

قِفا ودِّعا نجداً ومَنْ حلَّ بالحمى … وقلَّ لنجدٍ عندنا أنْ يودَّعا

وأذكرُ أيَّامَ الحمى ثمَّ ألتوِي … علَى كبدِي مِنْ خشيةٍ أنْ تصدَّعا

وليستْ عشيَّاتِ الحمى برواجعٍ … عليكَ ولكنْ خلِّ عينيكَ تدمعَا

وقال أبو تمام:

أصغَى إلى البينِ مغترّاً فلا جرَما … إنَّ النَّوى أسأرتْ في عقلهِ لمَمَا

أصمَّني سرُّهم أيَّامَ فرقتهمْ … هل كنتَ تعرفُ شيئاً يورِثُ الصَّمما

نأَى فظلَّتْ لوشكِ البينِ مقلتهُ … تُبدي نجيعاً ويُبدي جسمهُ سقَما

أظلَّهُ البينُ حتَّى أنَّه رجلٌ … لو ماتَ مِنْ شغلهِ بالبينِ ما علِما

وقال علي بن الجهم:

يا رحمَتا للغريبِ في البلدِ النَّا … زحِ ماذا بنفسهِ صنَعا

فارقَ أحبابهُ فنا انتفعُوا … بالعيشِ مِنْ بعدهِ ولا انتفعَا

وقال المجنون:

فإن ترجعِ الأيَّامُ بيني وبينَها … بذي الأثلِ صيفاً مثلَ صيفِي ومربَعي

أشدُّ بأعناقِ النَّوى بعدَ هذهِ … مرائرَ إنْ جاذَبتها لمْ تقطَّعِ

وقال زياد بن أبي زياد:

أطعتُ بها قولَ الوشاةِ فلا أرَى ال … وشاةَ انتهَوْا عنَّا ولا الدَّهرَ اعْتَبا

فلا تكُ كالنَّاسِي الخليلِ إذا دنتْ … بهِ الدَّارُ والباكِي إذا ما تغيَّبا

وقال هدبة بن خشرم:

ألا يا لقومِي للنَّوائبِ والدَّهرِ … وللمرءِ يُردِي نفسهُ وهوَ لا يدرِي

ألا ليتَ شِعري هل إلى أُمِّ معمرٍ … علَى ما لَقينا مِنْ ثناءٍ ومِنْ هجرِ

تباريحُ يلقاها الفؤادُ صبابةً … إليها وذِكراها علَى حينِ لا ذكرِ

فيا قلبُ لمْ يألفْ كإلفكَ آلفٌ … ويا حبَّها لم يغرِ شيءٌ كما تُغري

وما عندَها للمستهامِ فؤادهُ … بها إنْ ألمَّتْ مِنْ جزاءٍ ومِنْ شكرِ

وقال آخر:

بكرتْ عليكَ فهيَّجتْ وجدا … بِسُرى الرِّياحِ وأذكرتْ نجدا

أتحنُّ مِنْ شوقٍ إذا ذكرتْ … نجدٌ وأنتَ تركتَها عمدا

وقال آخر:

ألا هل إلى ليلَى قُبيلَ منيَّتي … سبيلٌ وهلْ للنَّاجعينَ رجوعُ

إلى اللهِ أشكُو نيَّةً شقَّتِ العصا … هيَ اليومَ شتَّى وهي أمسِ جميعُ

لعمركَ إنِّي يومَ جرعاءِ مالكٍ … لعاصٍ لأمرِ العاذلين مُضيعُ

مضَى زمنٌ والنَّاسُ يستشفعونَ بي … فهلْ لي إلى ليلَى الغداةَ شفيعُ

ندمتُ علَى ما كانَ منِّي ندامةً … كما ندمَ المغبونُ حينَ يبيعُ

فقدتُك مِنْ قلبٍ شجاعٍ فإنَّني … نهيتكَ عن هذا وأنتَ جميعُ

وقرَّبتَ لي غيرَ القريبِ وأشرفتْ … هناكَ ثنايا ما لهنَّ طلوعُ

وقال الوليد بن عبيد الطائي:

قلْ للرِّياحِ إذا جريتِ فبلِّغي … كبدِي نسيماً مِنْ جنابِ نسيمِ

أُخدعتُ عنكَ وأنتَ بدرٌ خادعٌ … للَّيلِ عن ظلمٍ بهِ وغيومِ

وظلمتُ نفسِي جاهداً في ظلمِها … فاسمعْ مقالةَ ظالمٍ مظلومِ

كرُمَ الزَّمانُ ولمتُ فيكَ ولا أرَى … عجباً سوَى كرمِ الزَّمانِ ولوْمي

لا كانَ حبِّي أينَ كانَ وأنتَ لي … ملكٌ وعهدي منكَ غيرُ ذميمِ

الآنَ أطمعُ في الوصالِ ودونَنا … عينُ الرَّقيبِ وبابُ إبراهيمِ

وقال الأحوص:

فوا ندَمِي إذْ لم أعجْ إذْ تقولُ لي … تقدَّمْ فشيِّعنا إلى ضحوةِ الغدِ

فأصبحتُ ممَّا كانَ بيني وبينها … سوَى ذكرِها كالقابضِ الماء باليدِ

وقال الحسين بن مطير الأسدي:

لقد كنتُ جلداً قبلَ أن توقدَ النَّوى … علَى كبدِي ناراً بطيئاً خمودُها

وقد كنتُ أرجو أنْ تموتَ صبابتي … إذا قدمتْ أيَّامُها وعهودُها

فقدْ جعلتْ في حبَّةِ القلبِ والحشا … عهودَ الهوَى تُولَى بشوقٍ يعيدُها

إرسال تعليق