إعراب الحديث الخامس من عمدة الأحكام (العدة في إعراب العمدة) لابن فرحون رحمه الله تعالى.

 ‌‌الحديث الخامس

 " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ". 

وفي رواية: "لا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِم وَهُوَ جُنُبٌ"

 إعراب الحديث الرابع هنا

قوله: "لا يبُولَن": "لا" ناهية، و"يبُولَن" فِعل مُضَارع مُؤكّد بنون التأكيد، مجزُوم بالنهي محلًّا. والجملَة معمُولة للقَول، والقَول خَبر "أنّ"، و"أنّ" وما بعدها في محلّ مفعُول لم يُسَمّ فَاعِله لمتعَلّق حَرْف الجر.

واعلم أنه متى اتّصل بالفعل المضَارع إحْدَى النّونات الثلاث - نونا التأكيد الشديدة والخفيفة، و"نون" جماعة المؤنث- بُنيَ.


وذَهب ابن مالك وطائفة إلى أنّ الحال كذلك ما لم يتّصل به ضَمير تثنية أو ضَمير جماعة المذَكّرين أو ضَمير الوا حِدة المخَاطبة، نحو: {وَلَا تَتَّبِعَانِّ} [يونس: 89]، و {لَتُبْلَوُنَّ} [آل عمران: 186]، و {فَإِمَّا تَرَيِنَّ}[مريم: 26] فتعرب؛ لأنّ فيها فاصِلًا مُقدّرًا بين "لام" الكلمة وبين "نون" التوكيد. أمّا قوله سبحانه: {لَيَسْجُنُنَّهُ} [يوسف: 35]: فمُعربة كذلك؛ لأنّ فيها فاصلًا مُقدّرًا بين "النون" الأولى التي هي "لام" الكلمة وبين "نون" التوكيد، فأصله: "ليسجنونه"، فاستثقل اجتماع ثلاث نونات؛ فحذفت "نون" الرفع، فالتقى ساكنان؛ فحذفت "الواو" لاعتلالها، وبقي التوكيد.

وأمّا {تَتَّبِعَانِّ} [يونس: 89]: فإن الفاصل ملفوظ به، وهو "الألِف" في: {وَلَا تَتَّبِعَانِّ} [يونس: 89].

وزَعَم بعضهم أنّ المؤكّد بـ"النون" مُعرَب مُطلقًا، فهي إذًا [ثلاثة] مذاهب. 

ثم "نُون" التأكيد تختص بالأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض والقَسَم. ويقلّ وقوعها مع النفي؛ [ولذلك] تأولوا قوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ} [الأنفال: 25].

وكثر وقوعها في الفعل المضارع الوا قع بعد "إمّا"، نحو قوله تعالى: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ} مريم: 26]. 

وقوله: "أحدكم": مرفوع على الفاعلية. وتقَدّم في الحديث الثّاني القول في "أحَد".

وقوله: "في الماء الدّائم": حَرْفُ الجر يتعَلّق بـ"يبولنّ"، و"الدّائم" صفة للماء، تبعه في إعرابه وإفراده وتذكيره وتعريفه.

وأصْلُ "الماء": "موه"؛ لأنهم يُصغرونه: "مويه"، ويجمعونه: "أمواه"، فلما تحرّكَت "الواو" في "موه" قُلبت ألِفًا؛ لتحرّكها وانفتَاح مَا قبلها، فلما اجتَمَع "الألِف" و"الهاء" -وهما حَرْفَان خَفيّان- قُلبت "الهاء" "همزة".

والألِف واللام فيه لبيان الجنس الحقيقي، لا الجنس الشّامل، ويجوز أن تكون للعَهْد الذّهني لا للعَهْد الخَارج. وتجيء الألِف واللام لتعريف العَهد، وتعريف الجنس، وللحضور، وللمح الصفة، وزائدة، وبمعنى "الذي" و"التي"، وللغَلَبة. وكُلّها تأتي بأمثلتها [مفرقة] حسب تفرّق مواضعها بعد.

قوله: "الذي لا يجري": صِفَة ثانية، وصِلَة "الذي" الفِعْل، والعَائدُ ضَميرُ الفَاعِل، وهي صِفَة مُؤكّدة، كقوله تعالى: {نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ}[الحاقة: 13]؛ لأنّ "الدائم" هو: الذي لا يجري .

ويحتمل أن يكون المحلّ منصوبًا بفِعْل محذُوف خَرَج مخرَج البيان، أو مرفوعًا بتقدير "هو".

وقوله: "ثم يغتسل منه": يحتمل الرّفع والنّصب والجَزْم، فالجَزْم بالعَطْف على الفِعْل المجزُوم المحلّ.

قال جمالُ الدّين ابن مالك: "ثُمّ" حملت على "الواو" في هذا الحديث، [وانتصب]" [يغتسل]" بإضمار "أن" بعدها، كما هو بعد "الواو". قال: ونظيرُ ذلك قوله تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ} بالنصب، قُرئ بالرّفع والنّصب والجزْم.

قلتُ: أمّا الجزم فبالعَطْف على "يخرج". وأمّا الرّفع: فعلى أنّه خَبر مُبتدأ محذُوف، أي: "ثُمّ هو يُدْرِكُه"، وفيه عَطف الجمْلَة الاسمية على الجمْلَة الفِعْلية الشّرطيّة.

قَالَ أبو حيّان: وعليه حمل يُونس قول الأعشى:

إِنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الْخَيْرِ عَادَتُنَا … أَوْ تَنْزِلُونَ فَإِنَّا مَعْشَرٌ نُزُلُ

أي: "أو أنتم تنزلون". قَالَ: وخرّج على أنّ رفع "الكَاف" منقولٌ من "الهاء"، كأنّه أرَاد أنْ يقف فنقل، كقوله:

عَجِبْتُ وَالْدَّهْرُ كَثِيْرٌ عَجَبُه … مِنْ عَنَزِيَ سَبَّنِي لَمْ أَضْرُبهُ

فنقل حركة "الهاء" إلى "الباء" المجزومة.

وأمّا قراءة النّصب: فعلى إضمار "أن"، كقوله:

.............................. … وَيَاْوِي إِلَيْهَا الْمُسْتجِيرُ [فَيُعْصَمًا] 

قال ابنُ جني: وليس هذا بالسّهل، وجَاء به الشِّعر لا القُرآن، ومنه:

يسَأَتْرُكُ مَنْزِلِي ليَنِي تَمِيمٍ … وَأَلْحَقُ بِالحجَازِ فَأَسْتَرِيحَا

قال أبو حيّان: والآية أقوَى من هذا؛ لتقدّم الشّرط قبل [المعطوف].

قلتُ: أراد أنّ الشّرط قد جَاء النصب في العَطْف على جَوابه، كقوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ} [البقرة: 284] على قراءة النصب.

قال جمالُ الدين ابن هشام: أجَاز ابن مالك الثلاثة أوجُه في "يغتسل منه"، الرفع بتقدير "هو"، وبه جاءت الرّواية، والجزم للعَطْف على موضع فِعْل النهي والنصب. 

قال ابن مالك: فأعطى "ثُم" حكم "واو" الجمع قال ابن هشام: فتوهّم تلميذه أبو زكريا النووي رحمه الله (1) أنّ المراد: [إعطاؤها] حكمها في [إفادة] معنى الجمع؛ فقال: لا يجوز النصب؛ لأنه يقتضي أنّ المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما. وهذا لم يقُله أحَد، بل القول منهيٌّ عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أم لا، وإنما أراد ابن مالك إعطاء حُكمها في النصب لا في المعيّة.

قال القرطبي: بعض الناس أجاز: "ثم يغتسل منه" بجَزم "اللام" على العطف على "يبولن"، وهذا ليس بشيء؛ إذ لو أراد ذلك لقال: "ثم لا يغتسلن"؛ لأنه إذ ذاك عطف فعل على فعل، لا عطف جملة على جملة، وحينئذٍ يكون الأصل مساواة الفعلين في النهي عنهما وتوكيدهما بـ"النّون" المشدّدة، فإنّ المحلّ الذي توارَدَا عليه هو شيء واحِد، وهو "الماء".

فعُدُوله عن "ثم لا يغتسلن" دَليلٌ على أنّه لم يُرد العَطف، وإنما جاء "ثم يغتسل" على التنبيه على مآل الحال، ومعناه: "أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه فيمتنع عليه استعماله لما أوقع فيه من البول".

وهذا مثل قوله عليه السلام: "لا يضرب أحدكم امرأته ضرب الأمة ثم يُضاجعها" [برفع] "يُضاجعها"، ولم يروه أحَد بالجزم ولا تخيله فيه؛ لأنّ المفهُومَ منه إنما نهاه عن ضَرْبها؛ لأنّه يحتاج إلى مُضَاجَعتها في ثاني حَال، فتمتنع عليه لمَا أساء عِشْرتها.

قوله: "وفي رواية": أي: "وجاء في رواية"، فيتعلّق حَرْف الجر بالفِعْل. ويكُون قوله: "لا يغْتَسل أحَدكم .... إلى آخره" فَاعل "جَاء" من باب الإسناد إلى اللفظ لا إلى المدلول.

قوله: "لا يغْتَسِل أحَدكم": يحتمل النّهي؛ فيكون الفعلُ مجزومًا. ويحتمل الرّفع على أنّ "لا" نافية. والاعتمادُ على الرواية. والنفي بمَعنى النهي.

قوله: "وهو جُنب": جملة من مُبتدأ وخبر، في محلّ الحال من "أحَدكم"، وجَاء الرّبط بين الحال وصَاحبه بـ"الواو" والضّمير، وهو الأفصح.

و"جُنب": اسم جَرَى مجرَى المصْدَر؛ فيقَدّر هنا: "وهو ذو جَنَابة"؛ لأنّ المصَادر لا تكُون أخبارًا عَن الجثَث.

قَالَ الزّمخشري: "الجُنُب" يسْتَوي فيه الواحِد والجمْع والمذكّر والمؤنّث؛ لأنّه جَرَى مجرَى المصْدَر، وهو "الاجتناب". 

قَالَ أبو حيّان: هَذا هو المشهُور الفَصيح، وجاء جمعه بالواو والنون؛ قالوا: "قوم جنبون". وكسّروه فقالوا: "أجْنَاب". وثنّوه فقالوا: "جنبان"

تعليق واحد

  1. جهد مشكور، جزاك الله خيرا على هذه الإفادة.