قوله: "عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم-تقُولُ: إنَّمَا الأَعْمالُ بِالنِّيَّاتِ -وفي رِوَايَه: بِالنِّيَّهِ- وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِيٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ الى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ".
الإعْراب
"عَن عُمَر": حَرْفُ الجرّ تَقدّم فيه وَجْهَان. ويحتمل أنْ يتعلّق بفِعْل مَحذُوف، أي: "رَوى" أو "رُوي"، ببنائه للمَفعُول أو للفَاعِل. فإنْ بَنيتْه للمَفعُول الذي لم يُسَمّ فاعِلُه، قَدّرْت: "أنّه قَالَ"؛ ليَقُوم مَقَام المفْعُول. وإنْ بَنيتَه للفَاعِل، كَان "أنّه قال" في مَحَلّ نصْب، مَفْعُولًا به.وتقديرُ "روي" أرْجَح، لأنه جَاء مُصرّحًا به في بَعْض الأحاديث. وفي السَّادس من "الجنَابة": "رُوِي عن عَائشة رضي الله عنها قَالت … " .
و"عُمَر": لا [ينصرَفُ]؛ للعَلَمية والعَدْل.
قال ابنُ الخبّاز: من غَريب حَال "عُمَر" أنَّ [المازني] تجنّب تثنيته وجَمْعَه، وقَال: أقُول: "جَاءَني رَجُلان كِلاهُما عُمَر"، أو "رجَالٌ كُلّهم عُمَر" قُلتُ: [ولَم] يَقُل به غَيره.
إذا ثبت ذلك: [فالعَدْلُ] فِيه تقْديرٌ، لا تحقيق، لأنَّ وَزْن "فُعَل"- "صرَد"] و"زُحَل"- لم تنْطِق به العَرَب مع العَلَمية إلا غير مَصْرُوف، والعَلَميّة وَحْدَها لا تمنَعُ الصَّرْف، ولا يُمكِنُ في الموانع كُلّها [ما يُلائِم] هذا الوَزْن سوَى العَدْل، لأنّه لا وَصْفَ فيه ولا تأنيثَ ولا عُجْمَة ولا جَمعًا ولا تَرْكِيبًا ولا نُوْنًا زَائِدَة ولا وَزْن "فعل".
والجُملتان من قوله "رضي الله عنه" و"صلى الله عليه وسلم" جُمْلتا اعتراض، لا مَحلّ [لهُما] من الإعْرَاب.
والجُمَلُ التي لا مَحَلَّ لها من الإعْرَاب: المستأنَفَة، والمعْترضَة، كهَذه، والمفَسِّرة، وجُمْلَة القَسَم، والصِّلة، وسيأتي الكَلام عليها مُستَوفىً في الحَديث الرا بع من "الأذَان"؛ فليُنظَر هنالك.
قوله: "سَمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُول: إنّما الأعمالُ". جُملة "إنما" في مَحلّ مفعُول بالقَول، وجُملة "سَمِعتُ" مثلها، لـ "قَال".
و"سَمِع" مِن الأفعَال الصّوتية، إنْ تعلَّق بالأصْوات تعَدّى إلى مفعُول واحِدٍ، وإنْ تعَلّق بالذّوَات تعَدّى إلى [اثنين]، الثاني جُمْلة مُصَدّرَة بفِعْل مُضَارع من الأفعَال الصّوتيّة. هذا اختيارُ الفارسيّ ومُوافقيه.
واختار ابنُ مالك ومَن مَعه أنْ تكُونَ الجُملةُ الفعلية في محلّ حَالٍ إنْ كَان المتقدِّمُ مَعْرفة، كَما وَقَعَ هُنا، أو صِفة إنْ كَان المتقدِّمُ نَكِرَة.
قَالُوا: ولا [يجُوزُ]: "سَمِعْتُ زَيدًا يضْرب أخَاك"، وإنْ تعَدّى إلى ذَاتٍ؛ لعَدَم المسْمُوع.
قلتُ: قد يجُوز بتقدير: "سَمِعتُ صَوْت ضَرْب زَيد".
ومثله: "سَمِعْتُ عُمَر يتَوَضّأ [لِمَا تحْت] إزَاره".
قوله: "إنَّما الأَعْمالُ بالنّيات": "إنّما" حَرْفُ ابتداء، ويُقَال فيها: كَافّة [ومَكْفُوفة]، أي: كَفَّت "إنَّ" عن العَمَل.
واختُلِف، هَل هِي مُرَكّبة أو بَسيطَة؟
ولم يُسْمَع النَّصْبُ فيما [دَخَلَت] عليه "مَا" من جَميع حُروف التأكيد، إلّا في نحْو قول النّابغَة:
أَلَا لَيْتَما هَذَا الحمَامُ لَنا … إلى حَمَامَتِنا وَنِصْفُه …
فقد رُوي بنَصْب "الحمام" ورَفعه.
فمنهُم من [قَاس]عليها أخوَاتها، ومنهُم من قَاس عليها "لعَلّ" و"لكن" لا غير. ومنهم من لم يقِس بحَال (1).
و"إنّما": من أدوات الحصْر
قال "السكّاكي" في "إعْجاز القُرآن": إنَّ الوَاقعَ بعد "إنّما" إذا كان [مُبتدأ] وخبرًا؛ [المحْصُور] الثاني.
فإذا قُلت: "إنما المالُ لزيد"، فالمالُ لـ "زيدٍ" لا لغيره. وإذا قُلت: "إنما لزيد المال"، فالمحصورُ "المال"، وتقديره: "لا غيره".
وأدواتُ الحصْر، على خِلافٍ فيها، ستة: -
1 - إنَّما.
2 - وتقَدُّم النفي قبل "إلا".
3 - والمبتدأ والخبر.
4 - وتقديمُ المعمُول.
5 - ولام ["كي"]؛ كقوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا} [النحل: 8]. قاله " [الباجي] ".
6- والسَّبر والتقسيم، نحو: "إن لم يكُن [زيدٌ] مُتحركًا فهو ساكِن".
فـ "الأعمالُ" مُبتدأ، بتقدير مُضَاف، أي: "إنما صِحّة الأعمال"، والخبرُ الاستقرارُ الذي يتعلّق به حَرْف الجر. (3)
فإنْ قُلت: العاملُ المقَدَّر في المجرور يقتضي النّصب، وقد حَكَمت بأنّه الخبر، فكيف يكُون في مَحَلّ نصْب؟
والجوابُ: أنّ الذي في مَوضع النصْب قوله: "بالنيات" لأنه المفعولُ الذي وَصَل إليه العَامِل بوسَاطة "الباء"، والذي في مَوْضع الرفع مجمُوع "بالنيات"؛ لأنّه الذي نَاب عن الاستقرا ر، [وكذلك] (4) القَول في كُلّ مُبتدأ خَبره ظَرْف أو مَجْرور، نَحْو قولك: "زيدٌ في الدار"، أو"عندك".
والباء في قوله "بالنيات" للتسبيب، أي: "إنّما الأعْمالُ ثابتٌ ثوابها بسَبب النيات". وتحتمل الإلصاق (7)؛ لأنَّ كُلَّ عَمَل تلصق به نيته.
و "النيات": جَمْعُ "نية"، [فيُرفَع] بالضَمّة، ويُنصَب ويُجَرّ بالكَسْرة. [جَرَّه]؛ لأنه جَمْعُ مُؤنّث سَالِم.
ورُوي "بالنِّيَّةِ"، أفرَدَها؛ لأنَّ المصْدَرَ المفْرد يقُوم مَقَام الجمْع، وإنما يجمعُ لاختلاف الأنواع.
وأصلها: "نَوْيَة"، فقُلبت "الواو" يَاءً، ثم أُدْغِمَت في "الياء" بعدها، ومنهم من خَفّف، فقال: "نِيَة"، وهو من "وَنِي، يني" (7) إذا "أبطأ وتأخّر" . قال امرؤ القيس:
مِسَحٌّ إِذا مَا السّابِحَاتُ على الوَنَى … أثرْنَ الغُبارَ بالكَدِيد المُرَكَّل
أي: "على الإبْطَاء".
قالوا: ولذلك احتاجَت النّية في تصحيحها إلى إبطاء.
والألِف واللام في "الأعمال" للعَهْد [في] العبادات المفتَقرة إلى نية، فيخرُج من ذلك إزالة النجاسة، والمتروكات كُلها والمعاصي؛ لأنّه يُعاقَب عليها، وإنْ لم تكُن بنية ولا قَصْد.
والألِف واللام في "النيات" للعَهْد أيضًا؛ لأنَّ المراد: "ما يختصّ بتلك الأعْمَال، دون غيرها".
و"الأعْمالُ": جَمْعُ قِلّة ، ..................................................
وجَمْعُ المُؤنّث السّالِم جَمْعُ قِلّة أيضًا؛ فحَسُن التَّقابُل.
وجُمُوعُ القِلّة [تجْمَعُها] (3) أبياتٌ ثلاثة، أنشَدنيها الشَّيخُ الأَدِيب سِرَاج الدِّين الدّمنهُوري رحمه الله، لنفْسه:
جمُوع قِلَّة: أجْمَالٌ وأحْمِرةٌ … [وأَفْلُس] غِلْمَة، والسَّالمان مَعَا
كَتبَة لابن دَهّان، وقَد نَقَلَ الفَرّا … ثَلاثًا: حِجَج [حِبَبَة ترعَا]
وأصْدِقَاء عَن التبريز، وابْن سَرى (6) فِعْلَة عَنْه فِي اسْم الجُمُوع وَعَا
قوله: "وإنما لكُلِّ امرئٍ مَا نَوَى".
قال الشّيخُ تقيّ الدِّين: يقتضي أنَّ من نَوَى شَيئًا حَصل له، وما لم ينوه لم يحصل له.
[ثم قال: فرقٌ بين قولنا: "مَن نوى شيئًا لم يحصل له غيره"، وبين قولنا: "مَن لم ينو شيئًا لم يحصل له"]
قال: والحديثُ [محتَمِل] للأمرَين -يعني: قوله: "إنما الأعمَالُ بالنّيات"- وآخِرُه يشير إلى المعنى الأوّل.
قوله: "وإنما لكُلّ امْرئ ما نوى". "ما": مَوصُولة، بمَعنى "الذي"، وجُمْلة "نوَى" صِلة لا مَحَلّ لها، والعَائِدُ ضَمير مَفْعُول محذُوف، تقديره: "مَا نَوَاه". وإنّما حُذِف؛ لأنه ضَمير مَنْصُوب مُتَّصل بالفِعْل، ليس في الصِّلة ضَمير غيره.وسيأتي الكَلامُ على الصِّلة والموصُول في الأوّل من "باب الأيمان والنذور".
وفاعلُ "نوى" ضَميرُ "امرئٍ". ومَحَلُّ الصّلة مع الموصول مُبتدأ، والخبر في المجرور. وتقَدَّم ما قاله "السَّكّاكي" في الحصْر؛ فيكُونُ المحْصورُ: "ما نَوى".
ولو جاءَ الكَلامُ: "وإنما لامرئٍ ما نوى" صَحّ، إلا أنه يُبطِل فائِدة عُمُوم "كُلّ"؛ لأنّ التقديرَ: " [إنما] لكُلّ امْرئٍ مُكَلَّف جَزَاء مَا نَوَى".
ويجُوز أنْ تكُون ["ما" مَوصُوفة]؛ فيكُون التقدير: "وإنّما لكُلّ امْرئٍ جزاء شَيءٍ نَوَاه"، [فترجع] الصِّلة صفَة، والعَائِدُ على حَاله.
ويجُوزُ أن تكُون "ما" مَصْدَرية [حَرْفًا على المختَار]؛ فلا يُحتَاجُ إلى عائدٍ على الصَّحيح، والتقديرُ: "لكُلِّ امْرئٍ جَزاء نيّته".
والفاعِلُ المقَدَّر في "نَوَى" ضميرٌ مَرْفوعٌ مُتّصلٌ مُسْتَترٌ، تقديرُه: "لكُلّ امرئٍ الذي نَواه هُو" ، لكنّه لا يُقدَّرُ شَيءٌ بعد العَائد، [كما لا يُذكَر] بعده، [قالوا: إلا أنْ يكُون] في تأخيره فائدة، ............................................
[فلا] يشكل، كقَولهم: "أعْجَب زيدًا ما كَرهه عَمرو"؛ لأنَّ الفَاعلَ مُقَدَّم في الرُّتبة، ولو لم يَظهَر اختَلّ المعْنى؛ [لأنَّ] اللفظ يبقى: "أعْجَب زيدًا ما كَرهه"، فيحتمل أنْ يكُون الفَاعِلُ "ضَمير زَيد". ففي ذِكْره وتأخيره فائدة، ولما اتّصل بالفِعْل الذي هو "نوَى" ضَمير "امرئ" وَجَب تقْديمُ المجرُور؛ ليعُود الضّميرُ على مَا قبله؛ فلا يجوزُ: "وإنما ما نواه لكُلّ امْرئ".
وذهَبَ الكُوفيون إلى إعمال الظّرف والمجرور وإن لم يعتمد، فرفعوا بهما بغير شَرطٍ، فأعْمَلوا "لكُلّ امْرئ" مَثَلا في "مَا نَوَى"، وأعْرَبُوه فَاعِلًا به، وأَبَى ذلك سيبويه، إلا إذا وَقَعَت صفَة لموصُوف أو صِلَة لموصُول أو حَالًا لذي حَال أو خَبرًا لذي خَبر.
إذا ثبت ذلك: فاعْلم أنَّ مَا لـ "كُلّ" إذا أُضيفَت إلى نَكِرَة من خَبر أو ضَمير أو غيرهما يجيء على وِفْق المضَاف إليه، كقَوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185]، وكَما جَاءَ هُنا قال ابنُ مالك: وقد يجيء على وِفْق "كُلّ"، كَقَوله عليه السلام: "كُلُّ سُلَامَى عَلَيْه صَدَقَة"، فذَكَّرَ الضّميرَ على وِفْق "كُلّ". والوَجْهُ: أنْ يُؤَنَّث على وِفْق "سُلامَى".
وسيأتي الكَلامُ في "كُلّ" مُستوفى في الحديث السَّادس من "الاستطابة"، والكَلامُ على "مَرْء" و "امرئ" في الثّالث والسَّادس من "الزّكاة".
واعلم أنّ همزة "امرئ" همزة وَصْل ، وكذلك تثنيته وتأنيثه، وتكُون في غير ما ذُكر في: "اسم"، و "اسمان"، و"اثنان"، و"اثنتان"، و"ابن"، و "ابنان"، و "است"، و"ابنم"، و "ايمن الله" في القَسَم، و "الألف واللام" للتعريف.
قوله: "فمَن كَانت هِجْرته إلى الله ورَسُوله". لـ"مَن" أقسَامٌ تأتي بعد هذا في الحديث الرّابع وفي العَاشِر، وهي هُنَا شَرْطيّة مَحلّها رَفْع بالابتداء، وبُنيت لتضمّنها معنى حَرْف الشرط ، وخبرها اختُلِف فيه، فقيل: في فِعْلها، وقيل: في جَوَابها، وقيل: حيث كَان الضّميرُ العَائِد عليها، وقيل: في فعْلها وجَوابها معًا. و"كان" -هُنا- النّاقصة تحتاجُ إلى اسم، وخبرُ اسمها: "هِجْرته".
{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} [البقرة: 280]، وتُقدَّر [بمَعنى]: "حضر". وكقول الشّاعر:
إذا كَانَ الشّتَاء فأدْفِئُوني … فإنَّ الشّيخَ تهْرمُه الشّتَاء
وتُقدَّر بـ: "وُجد".
وتكُون بمعنى "كَفَل"، كقولهم: "الصبي كُنتُه"، بمعنى "كَفلتُه". وبمعنى "غَزَل"، كقولهم: "الصُّوف كُنتُه"، أي "غَزَلتُه".
ومتى دَخَلَ الشرطُ على كَان انتقَلَت بذلك إلى الاستقبال. قالوا: وتُقدَّر بمَعْنى "تَبيَّن وظَهَر". وذلك [خِلافًا] للمُبرد؛ .........................................
فإنّه أبْقَاه على مُضيّه.
فقوله في الحديث: "مَن كانت هِجْرته" بمَعنى: "تبيّن أو ظَهَر في الوجُود أنّ هِجْرته لله"، أو ما هذا مَعْناه.
والضّميرُ في "هِجْرته" يعُود على "مَن".
و"إلى الله": "إلى" لانتهاء الغاية، ولها مَعَان تأتي بعد هذَا، والمعنى: "إلى رضَا الله عنه" .
و"رسُول": "فَعُولٌ" بمعنى "مُفْعَل"، وهو قليلٌ عندهم.
قال القاضي أبو مُحمّد بن عَطيّة: العَرَبُ تُجري "رَسُول" مَجْرَى المصدَر، فتَصف به الجمْع والواحِد والمؤَنّث، من ذلك قوله تعالى: {فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ}[الشعراء: 16].
قوله: "فهجْرته إلى الله ورسُوله": "الفاءُ" هنا سببية، وهي جَوابُ الشَّرط، وجوابُ الشَّرط إذا كان جُملة اسمية فلا بُدّ من "الفاء" أو "إذا"، كقوله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36]. و"الفاءُ" في جَوَاب الشرط للتسبيب والتعقيب.وسيأتي في "باب الاستطابة" أقسام "الفَاء".
واعلم أنَّ قاعدةَ الشَّرط وجَوابه [اختلافهما]؛ فيكُون الجزاءُ غيرَ الشّرط، نحو: "مَن أطَاعَ أُثيب، ومَن عَصَى عُوقِب"، وقد [جَاء] جملة الشّرط هنا هي جملة الجزاء بعَينه، فذاك بمثابة قولك: "من أكل أكل، ومَن شرب شرب"، وذلك غير مُفيد، لأنه من تحصيل الحاصل.
وقد أجَاب الشّيخُ تقيّ الدّين عن هذا السُّؤال، بأنَّ الشرطَ والجزاءَ وإن اتّحدا في اللفظ [فإنّه] لم يتّحدا في المعنى. والتقديرُ: "من كَانت هِجْرتُه إلى الله ورَسُوله قَصْدًا ونية فهجْرتُه إلى الله ثَوَابًا وأجْرًا".
قال جمالُ الدّين ابن مالك: من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حَديث حُذيفة: "وَلَوْ مُتَّ مُتَّ على غيرِ الفِطْرَةِ". وجَاز ذلك؛ لِتَوقُّف الفَائِدة على الفَضلة. ومنه قوله تعالى {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ} [الإسراء: 7]، فلولا قوله في الأوّل: "على غَيْر الفِطْرَة"، وفي الثّاني: {لِأَنْفُسِكُمْ} ما صَحّ، ولم يكُن في الكَلام فَائِدة.
قُلتُ: وإعْرابُ "قَصْدًا ونية" يَصحُّ أنْ يكُون خَبرَ كَان، أي: "ذَات قَصْدٍ وذَات نية". وتتعلّق "إلى" بالمصدر. ويَصحُّ أنْ يَكُون "إلى الله" الخبَر، و"قَصْدًا" مَصْدَر في مَحلّ الحال.
وأما قوله: "ثوابًا وأجْرًا": فَلا يصحُّ فيه إلا الحال من الضّمير في الخبر. وقوله: "إلى دُنيا": قَال جَمَالُ [الدّين]ابن [مالك]: "دُنيا" مُؤَنّثُ "أدْنَى"، و"أدْنَى" أفعَلُ التفضيل، وأفعَلُ التفضيل إذا نُكِّر لَزِم الإفرادَ والتذكير، وامتنع تأنيثه وتثنيته وجَمعه؛ ففي استعمال "دُنيا" بتأنيث مع كونه مُنكّرًا إشْكالٌ، فكانَ حَقّه ألا يُستعمَل، كما لا يُستعمَل "قُصوى" و"كُبرى"، إلا أنَّ "دُنيا" خُلعت عنها الوصفية غالبًا، وأُجْريَت مجرَى ما لم يكُن قَط وَصْفًا مما وَزْنه "فُعلى"، كـ "رُجعى" و" [بُهمى] ومِن وروده [مُنكَّرًا] مُؤنّثًا قَول الفَرَزْدَق:
لا تُعْجبنَّك دُنيا أنْت تَاركهَا … كَم نَالَهَا مِن أُنَاس ثُم قد ذَهَبُوا؟ !
قَال أثيرُ الدين أبو حيّان: "دُنيا" تأنيثُ "أدنى"، ويرجع إلى "الدنُوّ"، بمعنى "القُرْب"، وألِفُه للتأنيث.
قال أبو محمّد بن عَطيّة رحمه الله، عند قوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]: "حُسْنَى" على وزن "فُعلى"، ولا تجيءُ "فُعلى" عند سيبويه إلا معرفة، إلا أنْ يُزال عنها معنى التفضيل وتبقى مَصدرًا، كـ "العُقبَى".
قَالَ أثير الدين أبو حيّان: لـ"أفعل" استعمالات، أحدها: أنْ [تكُون] بـ"مِنْ" ظاهِرَة أو مُقدَّرة أو مُضَافَة إلى نَكِرة؛ فهذه لا تتعرَّف. الثّاني: أنْ تكُون بـ"أل"؛ فتكُون مَعْرفة. الثّالث: أنْ تُضَافَ إلى مَعْرفة؛ وفي تَعْريفها به خِلاف.
وأما "فُعلى": فلها استعمالان، [بالألِف] واللام، والإضَافة؛ فتكون مَعْرفة بهما على خِلاف، واستعمالها إذا كانت للتفضيل بغيرهما شَاذّ.
قَال أبو بكر ابن السّرّاج، من "المقصور والممدود": [تُكتب] "دُنيا بـ"الألِف"، وهذه لُغة نَجْد وتميم خاصّة، إلا أنَّ أهلَ الحجاز وبني أسَد يُلحقونها ونظائرها بالمصادر ذوات "الواو"؛ فيقُولون: ["دَنْوَى"] ، بفتح أوّله، [كـ"شَروى"]، وكذلك يَفعَلون بكُلّ "فُعلى"، يضعون موضع لامها واوًا ويفتحون أولها ويقلبون ياءَها واوًا. وأمّا أهلُ اللغة الأخْرَى: فيضُمُّون "الدال" ويقلبُون "الواوَ" "ياءً"؛ لأنّهم يَستثقلون الضَمّة و"الواو".
قُلتُ: وعلى هذا تُكْتَب بـ"اليَاء".
قوله: "يُصيبها": جُمْلة من فعْل وفَاعِل ومَفعُول، في مَحَل صفة لـ"دُنيا". ومتى تقدّمَت النّكرة على الظروف أو المجرورات أو الجُمل كانت صفات، وإن تقدَّمت المعرفة كانت أحوَالًا. هذا ما لم يمنع من ذلك مانع.
ومثلُ هذه الجُملة في الإعْراب: قوله: "أو امْرأة يَنكحُها".
وقوله: "فهِجْرَتُه إلى مَا هَاجَرَ إليه": جَوَابُ الشّرْط، و"هِجْرتُه" مُبتدأ، والخبرُ مُتعَلِّق بالمجْرُور.
ولم يقُل: "فهِجْرَتُه إلى دُنيا"، كما قَال في الشّرْط [والجزَاء] الأوّل. قال بعضهم: فيه تحقيرٌ للدنيا؛ إذ لم يُكَرِّرها ولا ما يتعلَّق بها، وفي الشَّرط الأوّل ذكر الله ورسُوله، وهو مَحلُّ تبرُّك وتعظيم؛ فحَسُن الأوّل دون الثّاني. والله أعلم.