‌‌العقل عند الهوَى أسيرٌ والشَّوق عليهما أميرٌ

‌‌العقل عند الهوَى أسيرٌ والشَّوق عليهما أميرٌ

    قال جالينوس العشق من فعل النفس وهي كامنة في الدماغ والقلب والكبد وفي الدماغ ثلاثة مساكن التَّخييل وهو في مقدم الرأس والفكر وهو في وسطه والذِّكر وهو في مؤخره وليس يكمل لأحدٍ اسم عاشق إلَاّ حتَّى إذا فارق من يعشقه لم يخلُ من تخييله وفكره وذكره وقلبه وكبده فيمتنع عن الطعام والشراب باشتغال الكبد ومن النوم باشتغال الدماغ والتَّخييل والذِّكر له والفكر فيه فيكون جميع مساكن النفس قد اشتغلت به فمتى لم يشتغل به وقت الفراق لم يكن عاشقاً فإذا لقيه خلت هذه المساكن ولعمري لقد أحسن فيما وصف واحتجَّ لما قال فانتصف غير أَنه ذكر حال العشق وحده و‌‌العقل عند الهوَى، وترك ذكر أحوال ما قبله وأحوال ما بعده وذلك أنَّ الأحوال الَّتي تتولد عن السماع والنظر مختلفة في باب العظم والصِّغر ولها مراتب فأول ما يتولد عن النظر والسماع الاستحسان ثمَّ يقوى فيصير مودَّة والمودَّة سبب الإرادة فمن ودَّ إنساناً ودَّ أن يكون له خلاًّ ومن ودَّ غرضاً ودَّ أن يكون له مُلكاً ثمَّ تقوى المودَّة فتصير محبَّة والمحبَّة سبباً للطاعة.



وفي ذلك يقول محمد الوراق:

تعصِي الإلهَ وأنتَ تُظهرُ حبَّهُ … هذا محالٌ في القياسِ بديعُ

لو كانَ حبُّكَ صادقاً لأَطعتَهُ … إنَّ المحبَّ لمنْ أحبَّ مُطيعُ

ثمَّ تقوى المحبَّة فتصير خُلَّة والخلَّة بين الآدميين أن تكون محبَّة أحدهما قد تمكَّنت من صاحبه حتَّى أسقطت السرائر بينه وبينه فصار متخلِّلاً لسرائره ومطَّلعاً على ضمائره وفي هذا النحو يقول بعض أهل هذا العصر:

فلا تهجرْ أخاكَ بغيرِ ذنبٍ … فإنَّ الهجرَ مفتاحُ السُّلوِّ

إذا كتمَ الخليلُ أخاهُ سرّاً … فما فضلُ الصَّديقِ علَى العدوِّ

ويقال إنَّ الخلَّة بين الآدميين مأخوذة من تخلُّل المودَّة بين اللَّحم والعظم واختلاطهما بالمخ والدم وهذا المعنى غير مخالف للأول بل هو أوضح سبب له لأن من حلَّ من النفس هذا المحل لم يستبدَّ عنه بأمر ولم يستظهر عليه بسرّ.



وقد أنشدنا لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود في هذا النحو:

تغلغلَ حبُّ عَثمةَ في فؤادِي … فباديهِ معَ الخافِي يسيرُ

تغلغلَ حيثُ لمْ يبلغْ شرابٌ … ولا حزنٌ ولمْ يبلغْ سرورُ

ثمَّ تقوى الخلَّة فتوجب الهوَى والهوَى اسم لانحطاط المحب في مَحابِّ المحبوب وفي التوصُّل إليه بغير تمالك ولا ترتيب.

أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى:

وإنَّ امرءاً يهوِي إليكِ ودونهُ … منَ الأرضِ مَوْماةٌ وبيداءُ خَيْفقُ

لمحقوقةٌ أنْ تستجيبي لصوتهِ … وإنْ تعلَمِي إنَّ المعينَ موفَّقُ

    ثمَّ تقوى الحال فيصير عشقاً والعاشق يمنعه من سرعة الانحطاط في هوى معشوقه إشفاقه عليه وضنُّه به حتَّى أنَّ إبقاءه عليه ليدعوه إلى مخالفته وترك الإقبال عليه فمن النَّاس من يتوهَّم لهذه العلَّة أنَّ العقل عند الهوَى أتمُّ من العشق وليس الأمر كذلك ثمَّ يزداد العشق فيصير تتْيِيماً وهو أن تصير حال المعشوق مستوفية للعاشق فلا يكون فيه معها فضل لغيرها ولا يزيد بقياسه شيئاً إلَاّ وجدته متكاملاً فيها.



وفي مثل هذا المعنى يقول أبو الشيص:

وقفَ الهوَى بِي حيثُ أنتِ فليسَ لِي … مُتأخَّرٌ عنهُ ولا مُتقدَّمُ

أجدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةً … حبّاً لذكركِ فليلُمْنِي اللُّوَّمُ

أشبهتِ أعدائِي فصرتُ أُحبُّهمْ … إذ كانَ حظِّي منكِ حظِّي منهمُ

وأَهنتِنِي فأهنتُ نفسِي جاهداً … ما مَنْ يهونُ عليكِ ممَّنْ أُكرمُ

    ولو لم يقل أبو الشيص في عمره بل لو لم يقل أحد من أهل عصره غير هذه الأربعةِ الأبيات لكانوا مقصرين وإذا كانت كل خواطر العشَّاق فيما يتمنَّاه واقعة ممَّن يهواه على الأمر الَّذي يرضاه فهذه في المشاكلة الطبيعية الَّتي لا يفنيها مرُّ الزَّمان ولا تزول إلَاّ بزوال الإنسان وإذا صحَّ هذا المذهب لم يعجب من أن يميل الإنسان إلى الإنسان بخلَّة أوْ خلَّتين فإذا زالت العلَّة زال الهوَى فلا يزال المرابط متنقِّلاً إلى أن يصادف من يجتمع فيه هواه فحينئذ يرضاه فلا ينعطف عنه إلى أحد سواه.



ولبعض أهل هذا العصر في هذا المعنى:

أيا زاعماً أنِّي لهُ غيرُ خالصِ … وأنِّي موقوفٌ علَى كلِّ قانصِ

كمَا أنتَ فانظرْ في وفائكَ خالصاً … تراهُ لمنْ يهواكَ أمْ غيرَ خالصِ

فحينئذٍ فارجعْ بما تستحقُّهُ … عليَّ وطالبني إذاً بالنَّقائصِ

سأعرضُ نفسِي يمنةً وشآمةٌ … علَى كلِّ ثاوٍ في البلادِ شاخصِ

إلى أن أرَى شكلاً يصونُ مودَّتِي … فحينئذٍ أغلُو علَى كلِّ غائصِ

أمثلِي يخونُ العهدَ عنْ غيرِ حادثٍ … رمانِي إذاً ربي بحتفٍ مُغافصِ

ثمَّ يزداد التَّتييم فيصير ولهاً والوله هو الخروج عن حدود الترتيب والتَّعطُّل عن أحوال التَّمييز حتَّى تراه يطلب ما لا يرضاه ويتمنَّى ما لا يهواه ثمَّ لا يحتذي مع ذلك مثالاً ولا يستوطن حالاً.

وقد قال حبيب بن أوس الطائي في نحو هذا:

ولَّهَتهُ العُلى فليسَ يعدُّ ال … بؤسَ بؤساً ولا النَّعيمَ نعيماً

والشَّوق تابع لكلِّ واحدة من هذه الأحوال والمستحسن يشتاق إلى ما يستحسنه على قدر محلِّه من نفسه ثمَّ كلَّما قويت الحال قوي معها الاشتياق فالحبّ وما أشبهه يتهيَّأ كتمانه فإذا بلغت الاشتياق بطل الكتمان.

وفي مثل ذلك يقول يزيد بن الطثرية:

أعِيبُ الَّذي أهوَى وأُطرِي جوارياً … يرينَ لها فضلاً عليهنَّ بيِّنا

برغمِي أُطيلُ الصَّدَّ عنها إذا بدتْ … أُحاذرُ أسماعاً عليها وأعيُنا

فدْ غضبتْ أنْ قلتُ أنْ ليس حاجتِي … إليها وقالتْ لمْ يُردْ أنْ يحبَّنا

وهلْ كنتُ إلَاّ مُعمَداً قانطَ الهوَى … أسرَّ فلمَّا قادهُ الشَّوقُ أعلَنا

أتانِي هواها قبلَ أنْ أعرفَ الهوَى … فصادفَ قلبِي خالياً فتمكَّنا

ولعمري إنَّ هذا لمن نفيس الكلام غير أنَّ في البيت ضعفاً وذلك أنَّه جعل سبب تمكُّن الهوَى من قلبه أنَّه صادفه خالياً لم يسبقه إليه غيره وليست هذه من أحوال أهل التَّمام إذ كلُّ من صادف محلا لا يدافع عنه لم يتعذر عليه طريق التَّمكُّن منه.

وقد قال بعض أهل هذا العصر:

وقدْ كانَ يسبِي القلبَ في كلِّ ليلةٍ … ثمانونَ بلْ تسعونَ نفساً وأرجحُ

يهيمُ بهذا ثمَّ يعشقُ غيرهُ … ويسلاهمُ مِنْ فورهِ حينَ يصبحُ

وكانَ فؤادِي صاحياً قبلَ حبِّكمُ … وكانَ بحبِّ الخلقِ يلهُو ويمزحُ

فلمَّا دعَا قلبِي هواكَ أجابهُ … فلستُ أراهُ عنْ ودادكَ يبرحُ

رُميتُ بهجرٍ منكَ إنْ كنتُ كاذباً … وإنْ كنتُ في الدُّنيا بغيركَ أفرحُ

وإنْ كانَ شيءٌ في البلادِ بأسرِها … إذا غبتَ عنْ عينيَّ عندِي يملحُ

فإنْ شئتَ واصِلْنِي وإنْ شئتَ لمْ تصلْ … فلستُ أرَى قلبِي لغيركَ يصلحُ



إرسال تعليق