فَصْلٌ فِي الأَنَفَةِ وَالاسْتِكَانَةِ
يُقَالُ: فُلانٌ أَنِف، وَأَنُوف، أَبِيّ، حَمِيّ، أَشَمُّ، مُتَّزِع، شَرِيف الطَّبْعِ، عَالِي الْهِمَّةِ، عَزِيز النَّفْسِ، عَزِيز الأَنْف، حَمِيّ الأَنْف، أَشَمّ الأَنْف، أَشَمّ الْمَعْطِس، شَدِيد الأَخْدَع، شَدِيد الشَّكِيمَة شَدِيد الْمَرِيرَة، شَدِيد الْحُمَيَّا، أَبِي الضَّيْمِ، وَآبِي الضَّيْم، لا يَعْنُو لِقَهْر، وَلا يَطْمَئِنُّ إِلَى غَضَاضَة، وَلا يَصْبِرُ عَلَى خَسْف، وَلا يُقِيمُ عَلَى مَذَلَّة، وَلا يَلِينُ جَنْبه لِحَادِث، وَلا يَرَى مِنْ نَفْسِهِ الاسْتِكَانَةَ، وَلا يَلْبَسُ مَلابِسَ الْهَوَان، وَلا يَقِفُ مَوْقِف الْقُنُوعِ.
وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ أُنُف، أُبَاة، شُمّ الأُنُوفِ، شُمّ الْمَعَاطِس، شُمّ الْمَرَاعِف، شُمّ الْعَرَانِين. وَقَدْ أَنِفَ مِنْ كَذَا، وَحَمِيَ، وَنَكِفَ، وَاسْتَنْكَفَ، وَانْتَخَى َ، وَأَخَذَتْهُ لِذَلِكَ الأَمْرِ حَمِيَّة، وَمَحْمِيَة، وَأَنَف، وَأَنَفَة، وَإِبَاء، وَنَخْوَة. وَقَدْ حَمِيَ مِنْ ذَلِكَ أَنْفاً، وَثَارَتْ بِهِ الْحَمِيَّةُ، وَعَصَفَتْ فِي رَأْسِهِ النَّخْوَة، وَنَزَتْ فِي رَأْسِهِ سَوْرَة الأَنَفَة، وَمَلَكَتْهُ عِزَّة النَّفْس، وَأَدْرَكَتْهُ حَمِيَّة مُنْكِرَة.
وَيُقَالُ فُلانٌ أَزْوَرُ عَنْ مَقْلَم الذُّلّ أَيْ هُوَ بِمَنْحَاة عَنْهُ، وَأَنَّهُ لِيَرْبَأ بِنَفْسِهِ عَنْ مُوَاطِن الذُّلّ، وَيَتَجَافَى بِهَا عَنْ مَطَارِح الْهَوَان، وَيَنْزِعُ بِهَا عَنْ مَوَاقِفَ الضَّرَاعَة وَيَصُونُهَا عَنْ مَعَرَّة الامْتِهَان، وَيُكْرِمُهَا عَنْ خُطَط الابْتِذَال.
وَهُوَ يَتَرَفَّع عَنْ هَذَا الأَمْرِ، وَيَتَعَالَى، وَيَتَجَالّ، وَيَتَأَبَّه، وَيَتَنَزَّهُ، وَيَتَكَرَّمُ، وَيَتَكَارَمُ.
وَإِنَّهُ لَرَجُل ذُو حِفَاظ، وَمُحَافَظَة، وَهِيَ الْحَمِيَّةُ وَالْغَضَبُ لانْتِهَاكِ حُرْمَةٍ أَوْ ظُلْمِ ذِي قَرَابَةٍ، وَقَدْ أَحْفَظَهُ الأَمْرُ، وَاحْتَفَظَ مِنْهُ، وَأَخَذَتْهُ مِنْ ذَلِكَ حِفْظَة، وَحَفِيظَة، وَفِي الْمَثَلِ إِنَّ الْحَفَائِظ تُذْهِبُ الأَحْقَادَ أَي إِذَا ظُلِمَ حَمِيمُك حَمِيتَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فِي قَلْبِك عَلَيْهِ حِقْد.
وَتَقُولُ: غَضِبْتُ لِفُلانٍ إِذَا كَانَ حَيّاً، وَغَضِبْتُ بِهِ إِذَا كَانَ مَيِّتاً، وَذَلِكَ إِذَا اُعْتُدِيَ عَلَيْهِ فَغَضِبْتَ لِذَلِكَ حَمِيَّةً وَاسْتِنْكَافاً.
وَتَقُولُ: غَارَ الرَّجُلُ عَلَى اِمْرَأَتِهِ، وَغَارَتْ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ لَيَغَارُ عَلَيْهَا مِنْ ظِلِّهَا، وَمِنْ شِعَارِهَا، وَيَغَارُ عَلَيْهَا مِنْ النَّسِيمِ، وَرَجُل غَيُور، وَاِمْرَأَة غَيُور، وَرِجَال وَنِسَاء غُيُرٌ بِضَمَّتَيْنِ.
وَيُقَالُ: رَجُلٌ شَفُونٌ، وَشَائِحٌ، وَشَيحَان، إِذَا كَانَ غَيُوراً كَثِيرَ الْمُرَاقَبَةِ وَالنَّظَر، وَإِنَّهُ لَرَجُلٌ مُشَفْشِفٌ وَمُشَفْشَفٌ إِذَا كَانَتْ بِهِ رِعْدَة وَاخْتِلاط غَيْرَةً وَإِشْفَاقاً عَلَى حُرَمِهِ.
وَيُقَالُ: قَعَدَ فُلانٌ مَقْعَدَ ضُنْأَةٍ، وَضُنَاءة بِالضَّمِّ فِيهِمَا، أَي مَقْعَد أَنَفَة، وَذَلِكَ إِذَا أُلْجِئَ إِلَى حَالٍ لا تَرْبَأُ بِهِ فَأَخَذَتْهُ لِذَلِكَ أَنَفَة وَعِزَّة نَفْس.
وَتَقُولُ فِي خِلافِ ذَلِكَ: هُوَ مِنْ أَهْل الْمَهَانَة وَالذِّلَّة، وَالضَّرَاعَة، وَالصَّغَار، وَالْقَمَاءة، وَالضَّعَة، وَالْهَوَان، وَالابْتِذَال.
وَمِمَّنْ يُسَامُ الذُّلّ، وَيَرْضَى بِالْخَسْفِ، وَيَسْتَكِينُ لِلامْتِهَانِ، وَيَقِرُّ عَلَى الضَّيْمِ، وَيُغْضِي عَلَى الْقَذَى، وَيَطْرِفُ عَلَى الْمَضَضِ وَيَشْرَبُ عَلَى الشَّجَى.
وَمِمَّنْ لا يُبَالِي بِالصَّغَارِ، وَلا يَسْتَوْحِشُ لِلامْتِهَانِ، وَلا تُؤْلِمهُ الْغَضَاضَة، وَلا يَمُضُّهِ الْهَوَان، وَلا تَعْمَل فِي الْمُحْفِظَاتِ، وَلا يَنْبِضُ فِيهِ لِلَحْمِيَّة عِرْق، وَلا تَأْخُذُهُ أَنَفَةٌ وَلا عِزَّةُ نَفْس.
وَإِنَّهُ لَرَجُل مَهِين، ذَلِيل، قَمِيء، صَاغِر، دَنِيء الطَّبْعِ، صَغِير الْهِمَّة، مَهِين النَّفْسِ، حَقِير النَّفْسِ، ذَلِيل النَّفْسِ، ذَلِيل الأَنْفِ، لَيِّن الأَخْدَع، لَيِّن الشَّوْكَة، ضَارِعُ الْخَدِّ، ضَارِع الْجَنْب، رَءُوم لِلضَّيْمِ.
وَقَدْ ذَلَّ الرَّجُلُ، وَتَذَلَّلَ، وَقَمُؤَ، وَصَغُرَ، وَتَصَاغَرَ، وَتَحَاقَرَ، وَتَضَاءَلَ، وَضَرَعَ، وَخَشَعَ، وَاسْتَكَانَ، وَاسْتَخْذَى، وَوَضَعَ خَدَّهُ، وَطَأْطَأَ قَصَرَتَهُ، وَبَذَلَ مَقَادَته، وَأَقَرَّ بِالذُّلِّ وَاعْتَرَفَ بِالضَّيْمِ، وَانْقَادَ. لِلْهَوَانِ، وَاسْتَسْلَمَ لِلامْتِهَانِ، وَاسْتَنَامَ لِلضَّعَةِ، وَتَطَأْمَنَ لِلصَّغَارِ، وَأَلِفَ مَضَاجِع الذِّلَّة، وَرَضِيَ بِالذُّلِّ صَاحِباً.
وَقَدْ اِبْتُذِلَ، وَامْتُهِنَ، وَأُذِيلَ، وَاسْتُذِلَّ، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِ الذِّلَّة وَحُمِلَ عَلَى الْخَسْفِ، وَقِيدَ بِبُرَة الْهَوَان، وَوُطِئَ وَطْء النِّعَالِ.