إعراب الحديث الثاني من (العدة في إعراب العمدة) لابن فرحون رحمه الله تعالى

 ‌‌الحديث الثّاني

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ".

 الكَلامُ على لَفْظ "حَديث"، والقَوْلُ في "الثّاني" مِثْل القَوْل في "الأوّل". وجُملة "لا يَقبَلُ" معْمُولة للقَول.

إعراب الحديث الأول في هذا الرابط

واعلم أنَّ مَا جَاء من الأسْمَاء المرَكَّبة تَركيبَ إضَافة -مثل: "أبي هرَيرة" و"أبي قُحَافة"- إذا قُصد به ذَات مُفرَدَة وفَهم منها السَّامعُ مَعنى العَهْد الذي يُفهَم من "زيد" مثلًا للشّخص صَار في حَدّ السَّواء في الإفادة.

وإن كان العَلَم هو الذي علّق في أوّل أحواله على مُسَمّى بعَينه لا يَتعدّى إلى غَيره؛ فقد صَار هذا بمَنزلته؛ لأنّه عند السّامع لا يتعدّى إلى غيره، ثُم إنّه بعد النقل أبقوه على إعْرابه، فالجزءُ الأوّل إن كان إعْرابه بالحرَكَات، مثل: "عبد ربّه"؛ فإعْرابه بالحرَكَات، فتقُول: "جَاء عَبدُ ربّه"، و"رأيتُ عَبدَ ربّه"، و "مَرَرتُ بعَبدِ ربّه"، تُعْربه بالحرَكَات الثّلاث.

وإنْ كان إعرابُه بالحُروف: أعرَبته بالحُروف، فتقول: "جَاءَ أبو هريرة"، و"رأيتُ أبا هرَيرة"، و"مَرَرتُ بأبي هريرة".

[وإنْ] كَانَ الثّاني لا يَنصرفُ منعته الصَّرف، لا يتغيرُ عن مَوضُوعه قبل [النقل]، وهو عندهُم من قَبيل الأعْلام؛ لأنّ الأعْلامَ عنْدَهم تنقَسم إلى مُفرَد، كـ"زَيد" و"هند"، ومُرَكّب، وهو ثلاثةُ أنواع: -

1 - تركيب إسناد، كـ"برق نحْره"، و"شَابَ قَرْنَاها". وحُكْمُه: الحكاية. 

ومنه قوله:

نُبّئْتُ [أخْوالي]بني يَزيدُ … ظُلمًا عَلينا لهمُ فديدُ

والكَلامُ على "يَزيدُ" يأتي في الرّابع من "الإمَامَة".

وأما بقية البيت ففيه إعراب.

قال الشيخُ أبو عمرو بن الحاجب: "بني يزيد" [لا يَحْسُنُ] أنْ يكُون بَدَلًا؛ لأنَّ البَدلَ هو المقصُودُ بالذِّكْر، ولَو جَعَلتَه بَدَلًا احْتَاجَ إلى مَوْصُوفٍ مُقَدَّر، وهم "الأخْوَال" أو ما يقُوم مَقَامهم، ولا فائدةَ لهذا التقدير مع الاستغناء عنه؛ فتعيّن أنْ يكُون صفة، وقد يجوزُ البدلُ على قُبحه. 

وقوله: "علينا لهم فَديد" جُملة في مَوْضع المفعول الثالث لـ"نُبئت". و"ظُلمًا" في موضع المفعُول من أجْله، وقد يكُون في مَوضع النصب على الحال على [قُبحه]

2 - النوع الثاني: المرَكَّب تركيبَ مَزْج، وهو كُلّ اسمين ينزل ثانيهما منزلة تاء التأنيث مما قبلها. وحُكْمُ الأوّل: أنْ يُفتَح آخره -كـ"بَعْلَبَك"، و"حَضرَمَوت"- إلا أن يكون "ياء"؛ فيُسكَّن، كـ "مَعدي كرب"، و"قالي قلا". وحُكمُ الثاني: أن يُعْرَب بالضّمّة والفتحة.

3 - النوع الثالث: المرَكَّب تركيبًا إضافيًا، وهو الغَالبُ، كما جَاء هنا، وهو كُلُّ اسمين ينزل ثانيهما مَنزلة التنوين، كـ"عَبْد الله"، و"أبي قُحَافة"، و"أبي هرَيْرَة". وحُكْمُ هذا النوع: أنْ يَجري الأوّل بحَسب العوامل، [ويَجْري] الثَّاني على الإضَافة. 

و"أب": أصله "أبو"، بدَليل التثنية، تقُول: "أبَوَان"، كما تقُول: "حَمَوان" و"هَنَوان" و"أخَوَان"، ويجُوزُ فيها كُلها [النقصُ] والقَصْر ، ولهذا مَوْضعٌ [تُذْكَر] (2) فيه.

قوله: "لا يَقبَلُ الله": "لا" نافية، و"يَقبلُ" فِعْل مُضَارع، و"الله" فاعل، و"صَلاةَ أحَدكم" مَفعول ومُضَافٌ إليه، وهو مَصْدَرٌ مُضَافٌ إلى فَاعِله، والجُمْلةُ مُسْتَأنَفَةٌ لا مَحلَّ لها مِن الإعْرَاب، وتَقدَّم قَريبًا ذِكْرُ الجُمَل التي لا مَحلَّ لها. والمعنى: "لا قَبُولَ لصَلاة أحَدِكُم حتى يتوضّأ"، فهو نَكِرَةٌ في سياق النفي؛ فيقتضي العُمُوم.

قوله: "أحدكم": الهمزةُ بَدَل من "واو"؛ لأنّه بمَعنى: "واحد منكم"، وإبدالُ الهمْزة إذا كَانَت أوْلى من "الواو"قَليلٌ، وجاء منه: "امرأة أناة"، أصله "وناة"؛ لأنّه من "الوَنى". وقيل: الهمزةُ هنا أصْلٌ.

وفرَّق ثعلب بين "واحد" و"أحَد" بأنّ "واحدًا" يدخُله الإفراد والجمع والتثنية، و"أحَد" لا يَدخُلُه ذلك، يُقال: "الله أحَد"، ولا يُقالُ: "زَيدٌ أحَد"؛ لأنَّ الأحَدِيَّة خُصُوصية بالله تعالى، و"زَيدٌ" تكُونُ منه حَالات. 

ونُقِض على "ثَعْلَب" بالعَدَدِ المعْطُوف؛ تقول: "أحَد وعشرون"، و" اثنان وعشرون". 

إذا ثبت ذلك: فقوله: "أحَدِكُم" أتَمُّ مَعْنىً من قَوله: "لا يَقبَلُ الله صَلاتكم" لأنَّ نَفي القبُول عن الأفراد أشْمَلُ من نفيه عن الجموع؛ لأنَّ "أحَدًا" تعُمُّ كُل فَرْد، ولا يخرجُ عن عُمومها بعضُ أفْرادها؛ لدلالتها على مَاهية الجُمُوع، بخلافِ خِطَابِ [المجمُوع] (2) بضميرهم؛ فإنه قد يَدْخُله التخصيصُ، والعَرَبُ لا تَعْدِلُ عن لَفْظٍ إلى لَفْظٍ إلا لفَائدةٍ، ولذلك أمثلةٌ كثيرة.

قال أبو حيّان: "أحَد" هنا [بمعنى] "واحد"، وليس هو المقْصُور على النفي وشبهه في نحْو: "مَا قَام أحَدٌ". والفَرقُ بينهما: أنَّ أصْلَ هذا -أعني: المقصُور على النفيُ- هَمزة وحَاء ودَال، والآخَر: واو وحَاء ودَال، و"الهمزةُ" فيه بَدَلٌ من "واو".  وسيأتي شيءٌ منه في الأوّل من "ترك الجهر".

قوله: "إذا أحْدَث": "إذا" ظرْفٌ لما يُستقبل من الزمان. 

واختُلف في العَامل فيه، فقيل: فِعْله، وقيل: جَوَابه، وذلك باختلاف حالتين، إنْ قُدِّر فعله مجزومًا به كان هو العاملُ فيه، وإلا فالعاملُ الجوَاب، وقد رُجِّح بأنَّ العَاملَ فعله، [بقَوْلهم]: "إذا قام زيدٌ اليومَ قام عَمرو غَدًا"، والجوابُ عامِلٌ في "غدًا"، وهو لما يُستقبل، و"إذا" لما يُستقبل، والفِعْلُ لا يَعْملُ في ظَرْفَين [لمعْنى] واحِد.

فإن قيل: فـ"اليوم" معمولُ "قام" أيضًا، ولا يعملُ في "إذا" على ما تَقَرَّر آنفًا؟ !

فالجوابُ: أنّ "إذا" و"اليوم" [مُتنافيان]؛ فـ"إذا" لما يُستقبل، و"اليوم" للحاضر؛ فتَعيّن عَمَل الفِعْل الذي بعْد "إذا"، ولا يكُونُ في مَحلّ جَرّ بها.

وعلى القَوْل بأنَّ العَاملَ جَوَابها: يَكونُ فِعْلُها في مَحلّ جَرّ بها.

قالوا: مما يُرجِّح عَمَل فِعْلها فيها: كونُ جَوابها جُملة اسمية بالفاء، والفاء -في الصَّحيح عندهم- لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فيما قبْلها إذا ثَبَت ذلك: فجَوَابُ "إذا" هُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عليه ما قبْلَها، أي: "إذا أحْدَث أحدُكم لا يَقبَلُ اللهُ صَلاته حَتّى يتوضّأ".  وسَيأتي القَولُ على "إذا" بزيادةٍ على هذا في الحديث الثّاني من "السواك".

قال أبو حيّان: خَرَجَت "إذا" الشَّرْطيّة عن أخوَاتِها بأنّها إذا كَان جَوَابُها نَفيًا جَاز سُقُوطُ الفَاء منه، نحو قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ} [الجاثية: 25]. 

وقد تجيءُ "إذا" مُجَرَّدَة من مَعْنى الشَّرْط، نحْو قَوْله تَعَالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [الليل: 1]. 

قال ابنُ مالك: وقد جَاء الجزْمُ بها في الشِّعْر وفي النَّثر، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعَليٍّ وفاطمَةَ: "إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُما تُسَبِّحَا اللهَ تَعَالى ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ" بحَذْف عَلامَة الرَّفْع، وكذا: "تَحْمَدَا" و"تُكَبِّرا". 

وجَاءَ الجوَابُ المُقَدَّر هُنا مَنْفيًّا بـ "لا"، كَقَوْله تَعَالى: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ} [يس: 23] قَالوا: ويجُوزُ نَفي جَوَاب الشَّرْطِ بـ"لَا"، ولا يجُوزُ بـ"ما". والعِلّةُ في ذلك: أنّ "ما" تنفي الحال، والشَّرْطُ يقتضي الاستقبال؛ فنَاسَب "لا" دُون "ما"؛ لأنَّ "لا" تنفي المستقْبل، بخلاف "ما".

ومن ذلك قول كَعْب بن زُهير:

إذَا [يُسَاوِرُ] قِرْنًا لَا يَحلُّ لَهُ … أنْ يَترُكَ القِرْنَ إلَّا وَهُوَ مَفْلُولُ 

وسيأتي في الثّاني من "صلاة العيدين" تمام الكلام على جَواب الشرط. والله أعلم.

و"حتى" تأتي بمَعنيين، لانتهاءِ الغَايَة، وللتعليل؛ فتُقَدَّر الأوْلى  بـ"إلى" والثانية  بـ"كَي" وتأتي بمَعْنى "إلا أنْ"، ذَكَرَه ابنُ مَالك ، وأنْشد عليه:

ليْسَ العَطَاءُ مِن الفُضول سَماحَة … حتّى تَجُودَ ومَا لَدَيْك قَليلٌ 

وجَعَل بعضُهم من ذلك قوله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا} [البقرة: 102]، أي: "إلا أنْ يقُولا". 

وأنْكَر أبو حَيان مجيئها بمَعْنى "إلّا" المشَدَّدَة. 

وإبدالُ الحاءِ عَيْنًا لُغَةٌ في "حتّى" وسُمِع [فيه] (1) الإمَالة.

وتكُون حَرْف ابتداء إذا دَخَلَت على مَاض (4) أو مُضَارع مَرْفُوع، نحْو قوله تعالى: {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} (5) بالرَّفْع، وكذلك إذا دَخَلَت على الجُمْلَة الاسمية أو "إذا"، نَحْو قَوْله:

.......................... … حَتّى مَاء دِجْلَة أشْكَل

و{حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا} [الزمر: 71، 73]. 

وجَعَلَها الزّمخشَري مَعَ "إذا" حرْف جَرّ. 

فالفِعْلُ هنا مَنْصُوبٌ بإضْمَار "أنْ" بعْد "حَتّى" ، ولا يجُوزُ إظْهَارُها، والفِعْلُ بَعْدَها في مَحلِّ جَرّ بها. 

ويجبُ هنا تقْدير "حتى" بـ "إلى" التي للغَاية؛ لأنَّ الكَلامَ يصير: "إذا أحْدَث أحدُكم لا تُقبَلُ صَلاته إلى أنْ يتوَضّأ"، ولا يجُوزُ تقْديرُها بـ "إلّا" المُشَدَّدة؛ لأنَّ الكَلامَ يصير: "لا يَقبَلُ الله صَلاةَ أحَدكُم إلاّ أنْ يَتَوَضّأ"، ومَفهُومُه: "أنّه لَو صَلّى قَبْل الوُضُوءِ ثم تَوضّأ قُبِلَت"؛ فيَفسُد المَعْنى بتَقْدِيرها وسيأتي في الخامِس من "صَلَاة العيدين" طَرَف من أحْكَام "حتّى".

إرسال تعليق