دُرَّةُ الغواص في أوهام الخواص

‌‌[2] وَيَقُولُونَ للمتتابع: متواتر فيوهمون فِيهِ لِأَن الْعَرَب تَقول: جَاءَت الْخَيل متتابعة، إِذا جَاءَ بَعْضهَا فِي إِثْر بعض بِلَا فصلٍ، وَجَاءَت متواترة، إِذا تلاحقت وَبَينهَا فصل، وَمِنْه قَوْلهم: فعلته متواترا، أَي حَالا بعد حَال، وشيئا بعد شَيْء.

وَجَاء فِي الْأَثر أَن الصَّحَابَة لما اخْتلفُوا فِي الموؤودة قَالَ لَهُم عَليّ كرم الله وَجهه: أَنَّهَا لَا تكون موؤودة حَتَّى تَأتي عَلَيْهَا التارات السَّبع، فَقَالَ لَهُ عمر رضي الله عنه: صدقت أَطَالَ الله بَقَاءَك وَكَانَ أول من نطق بِهَذَا الدُّعَاء، وَأَرَادَ عَليّ رضي الله عنه بالتارات السَّبع طَبَقَات الْخلق السَّبع المبينة فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين ثمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَة فِي قَرَار مكين ثمَّ خلقنَا النُّطْفَة علقَة فخلقنا الْعلقَة مُضْغَة فخلقنا المضغة عظاما ًفكسونا الْعِظَام لَحْمًا ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا}، ) .

فعنى سبحانه وتعالى وِلَادَته حَيا، فَأَشَارَ عَليّ رضي الله عنه إِلَى أَنه إِذا اسْتهلّ بعد الْولادَة ثمَّ دفن فقد وئد، وَقصد بذلك أَن يدْفع قَول من توهم أَن الْحَامِل إِذا أسقطت جَنِينهَا بالتداوي فقد وأدته. وَمِمَّا يُؤَيّد مَا ذكرنَا من معنى التَّوَاتُر قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ أرسلنَا رسلنَا تترا} ، وَمَعْلُوم مَا بَين كل رسولين من الفترة وتراخي الْمدَّة.

وروى عبد خير، قَالَ: قلت لعَلي رضي الله عنه: أَن عَليّ أَيَّامًا من شهر رَمَضَان، أفيجوز أَن أقضيها مُتَفَرِّقَة قَالَ: اقضها إِن شِئْت متتابعة، وَإِن شِئْت تترى.

قَالَ: فَقلت: أَن بَعضهم قَالَ: لَا تُجزئ عَنْك إِلَّا متتابعة، فَقَالَ: بلَى تُجزئ تترى، لِأَنَّهُ قَالَ عز وجل: {فَعدَّة من أَيَّام أخر} وَلَو أرادها متتابعة لبين التَّتَابُع كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين} .

وَعند أهل الْعَرَبيَّة أَن أصل تترى وَترى، فقلبت الْوَاو تَاء، كَمَا قلبت فِي تخمة وتهمة وتجاه، لكَون أُصُولهَا من الوخامة وَالوهم وَالْوَجْه.

وَيجوز أَن تنون تترى كَمَا تنون أرطى وَألا تنون مثل سكرى، وَقد قرئَ بهما جَمِيعًا.

وَحكى أَبُو بكر الصولي قَالَ: كتب أحد الأدباء إِلَى صديق لَهُ، وَقد أَبْطَأَ جَوَابه عَنهُ: كتبت إِلَيْك فَمَا أجبْت، وتابعت فَمَا واترت، وأضبرت فأفردت، وجمعت فَمَا وحدت.

فَكتب إِلَيْهِ صديقه: الْجفَاء المستمر على الْأَزْمَان، أحسن من بعض الْخطاب للإخوان.



تعليق واحد

  1. رائعة