الحديث الثّالث
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ رضي الله عنهم قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ".
قوله: "قَالوا": في محل خبر "أنّ" المُشددة مُقدّرة، أي: "أنّهم قالوا" لتقوم مقام الفاعل لمتعلّق حرف الجر، أي: "رُوي أنّهم".
إعراب الحديث الثاني في هذا الرابط
و"قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم … إلى آخره" محكيّ بالقول.
و"العَاص" يُروى بـ "الياء" وبغير "ياء"؛ فإن كان بغير "ياء" كان إعرابه بالحركات على "الصّاد"، فتقول في الرّفع: "جاء العاصُ" بالرفع، وفي النصب: "رأيتُ العاص".
ولعله منقولٌ من "العيص"، وهو: "الشجر الملتف"
ولفظة "ويل" مصدر، لا فعل له. وقيل: فعله "وال" "ويلاً". ورَدّه الشيخ أثير الدين أبو حيّان، وقال: هو مصنوع، يعني: "وال".
قال: ولم تجيء من هذه المادة التي فاؤها "واو" وعينها "ياء" إلا: "ويل"، و "ويح"، و"ويس" و: ويب: (3).
قلت: وقيل لا يجيء في الكلام ما فاؤه وعَينه "واو" إلا: "يوم" و ["يوح"].
ولا يثنى "ويل". وقد جمع في قول امرئ القيس:
وَيَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيزَةٍ … فَقَالَتْ لَكَ الْوَيْلَاتُ إِنَّكَ مُرْجِلِ (3)
وإذا أُضيف "ويل" فالأحْسَنُ فيه النّصب، قال تعالى: {وَيْلَكُمْ} [طه: 61].
وزعم بعضهم أنّه إذا أضيف لا يجوز فيه إلا النصب، وإذا أفرد يجوز فيه الرفع والنصب. (4)
وهو هنا مرفوع بالابتداء، ومُسّوغ الابتداء معنى الدّعاء. وقيل: هو عَلَم، اسم وادٍ في جهنم، نعُوذ بالله منه.
قال الشّيخُ جمال الدين ابن مَالك في قوله عليه السلام: "وَيْلُ أُمِّهِ، [مِسْعَرُ] حَرْبٍ": أصْله: "ويْ لأمه"، فحذف "الهمزة" تخفيفًا؛ لأنّه كَلام كثُر استعماله، وجَرَى مجرى المثل.
ومن العَرب مَن يضُمّ "اللام". وفي ضَمّها وجهان: -
أحدهما: أن يكون ضُم اتباعًا للهمز، [وكما] كسرت "الهمزة" اتباعًا للأم في قراءة مَن قرأ: "فلإِمّه الثُّلُث" (2)، ثم حذفت "الهمزة" وبقِيَ تابع حركتها على ما كان عليه.
الوجه الثاني: أن يكُون الأصْل: "ويل لأمه" بإضافة "ويْل" إلى ["لأم"] تنبيهًا على ثكلِها وويلها.
قال: والأوّل أجوَد؛ ليتّحد معنى المكسور والمضْموم.
و"وي" من أسماء الأفعال بمعنى "أتعجب"، فـ"لأمه" متعَلّق به. و"مسعر حرب" منصوبٌ على التمييز. انتهى. (4)
قوله: "للأعقَاب مِن النار": حرفُ الجر يتعلّق بالخبر، أي: "كائن للأعقَاب"، و"من النار" يتعلّق بمُتعلّق الخبر، و"الأعْقَاب" جمع قِلّة ، وقد تقدّم ذكر جموع القلة قريبًا.
والألِف واللام يحتمل أن تكُون للعَهْد، والمراد: "الأعقَاب التي رآها كذلك لم يمسّها مَاء". ويحتمل أن لا يخصّ تلك الأعْقَاب التي رآها، وتكون للأعقاب التي صفتها هَذه الصّفة التي لا تعمّ بالطُهر. ولا يجُوز أنْ تكُون الألِف واللام للعُموم المطْلَق (1).
وقد رُوي في بعض الروايات: "رَآنَا وَنَحْن نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا".
وقوله: "مِن النّار": "مِن" لابتداء الغَاية، ويحتمل أن تكُون بمعنى "في" كما قيل في قوله تعالى: {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ} فاطر: وعلى قَول مَن فسّر "الويل" بأنّه "واد في جهنم" تكُون "مِن" للتبعيض؛ لأنّ "جهنم" بعض دَرَكَات النار، وهي المختصّة بعُصَاة المؤمنين، ثم لك أن تُعلّق "مِن النار" بمتعلّق الخبر.
ولا يتعلق "من النار" بصفة لـ"ويل" إذا جعلت الخبر في "للأعقاب"؛ لأنه لا يفصل بين الصفة والموصوف بالخبر.
ولا يتعلق "من النار" بالمصدر نفسه، ويجعل "للأعقاب" مُتعلقًا بالخبر؛ لأنّ المصدر لا يفصل بينه وبين متعلّقه بالخبر.
وقد قيل: إنما يمتنع ذلك في المصدر المنحلّ إلى "أنْ"، وأمّا غيره فلا، وهو كسَائر الأسماء.
وللشيخ أثير الدّين بحْثٌ دقيق في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة: 36] اشتَمَل على فوائد من أحْكَام المصدر وما يتعلّق به.
فقال: "مستقر" مبتدأ، و"لكم" الخبر، وهو مُصحّح لجواز الابتداء بالنكرة، و"في الأرض" متعلّق بالعَامل في الخبر، ولا يتعلق بـ "مستقر" سواء أريد به مكان الاستقرار أو المصدر، أي: "ولكم في الأرض استقرار"؛ لأن اسم المكان لا يعمل، والاسم الموصول لا يتقدّم معموله عليه.
ولا يجوز أن يكون "في الأرض" خبر، و"لكم" [متعلّق]بـ"مُستقر"؛ لما تقَدّم، ولا في موضع الحال من "مُستقر"؛ لأنّ العَامل إذ ذاك فيها يكون الخبر، وهو عامِل معنوي، والحال متقَدّمة على جُزأي الإسناد، ونظيره: "قائمًا زيد في الدار" و"قائمًا في الدار زيد"، وذلك لا يجوز بإجماع.
وقوله: "ومتاعًا إلى حين": حرف الجر يجوز أن يتعلق بصفة لـ"متاع"؛ فيتعلق بمحذُوف، أي: "كائن إلى حين". ويجوز أن يتعلّق بـ"متاع"؛ لأنّه في معنى "تمتع" و"استمتاع"، ويكون من باب الإعمال؛ لطلب "مستقر" له، ومتى أعمل فيه الثاني -وهو "متاع"- لم يحتج إلى إضمار في الأول؛ لأنه فضلة؛ فالأولى حذفه، ولا يكون معمولًا للأوّل؛ لأنه لا يحذف ضميره من الثاني على الأفصح.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون من باب الإعمال، وإن كان كل من "مستقر" و "متاع" يقتضيه المعنى؛ لأنّ الأوّل لا يصح أنْ يعمل فيه لما يلزم من الفصْل بين المصدَر ومعموله بالعطوف، والمصدَر موصُول؛ فلا يفصل بينه وبين معمُوله.
قلتُ: المصدر من حيث هو مصْدَر لا يكون موصُولًا، إلا أنْ يلحظ فيه معنى الحدوث؛ فيقدر بحرف مصدري وفعل، فحينئذ يكون موصولًا. فإن لم يلحظ فيه ذلك: لم يكن موصولًا، نحو: "لزيد معرفة بالنحو" و "نظر بالطب" و"ذكاء ذكاء الحكماء"، فمثل هذا لا يُتقدّر بحرف مصدري وفعل، حتى إنّ النحويين ذكروا أنّ هذا المصدر إذا أضيف لم يحكَم على الإسم بعده برفع ولا نصب، فقولك: "يعجبني قيام زيد" مثل قولك: "يعجبني خاتم زيد"، وهذا الذي قاله الشيخ رحمه الله فيه فوائد يحتاج إليها المعرب؛ فلذلك ذكرته بنصه.
ومن ذلك قولهم في قوله تعالى: {لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ} [غافر: 10]، ذكروا أنّ العامل في "إذ" لا يجوز أن يكون المقت الله"، ولا "مقت" الثاني. أمّا الثاني: فلفساد المعنى؛ لأنهم إذ دعوا إلى الإيمان ما مقتوا أنفسهم. وأما الأوّل: فلأنه مصدر، وقد فصل بينه وبين متعلقه بالخبر؛ فالعامل إذن فعل محذوف، أي: "مقتكم إذ تدعون".
وقال الزمخشري: العامل: "لمقت". ورُدّ عليه.
ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ} [الطارق: 8، 9]. قالوا: التقدير: "يرجعه يوم"؛ للعلة المتقدّمة وقوله في الحديث: "عن عمرو بن العاص" قد تقدّم أنه يُروَى بإثبات "الياء" وحذفها، وهو المشهورُ عند المحَدّثين.