الحديث الثّامِن
إعراب الحديث السابع هنا
عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "شَهِدْت عَمْرَو بْنَ أَبِى حَسَنٍ سَال عَبْدَ اللهِ بْنَ زيدِ عَنْ وُضوءِ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءِ، فتَوَضأَ لَهُمْ وضوءَ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَأكفَأَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيه في التَّوْرِ، فَتمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثًا بِثَلاثِ غَرْفَاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ في التور فَغَسَلَ وَجْهَة ثَلاثًا ويديه إلَى المرْفَقَيْنِ، ئم أَدْخَلَ يَدَهُ، فَمَسَحَ رَأْسَة، حَتَّى ذَهَبَ بِهِما إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ ذهب بهما إلَى المكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ". وَفي رِوَايَه: "أَتَانَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ".
الإعراب
تقَدّم القَول في متعَلّق حَرف الجر، والتقدير هنا خلاف التقدير فيما سبق من الأحاديث قبله؛ وذلك لأنّ "عَن" تكرّرت وتغيّر مُتعلّقها، فقوله: "قَالَ: شَهدت" جملة في محلّ نَصْب خبرًا عن "أن" مشدودة محذوفة مع اسمها مُقدّرَة بمفعُول به، التقدير: "ورُوي عن عمرو أنه رَوَى عن أبيه أنّه قال"، فـ "أنّه روَى" بفتح" الواو" على أنّه مفعُول لم يُسَمّ فاعله. ومحلّ "أن" المقدّرة الثّانية نَصب على أنّه مفعُول به. ويجوز أن يكون "عن" الثّانية بَدَلًا من "عن" الأولى. والأوّل أرجَح؛ لأنه جَاء مُصرّحًا به في الخامس من "الاستطابة".
و"عَمرو" يُكتَب بـ "الواو" فَرقًا بينه وبين "عُمر"، وذلك في حَالتي الرّفع والجر، وإذا وصف بـ "ابن" مُضافًا إلى عَلَم حُذف التنوين من الاسم و"الألِف" من "ابن"، فقولنا: "العَلَم" احترازًا من غَير العَلَم، نحو: "قام رَجُل ابن زيد"، واحترزنا بوصف بـ "ابن" عن الوصف بغير "ابن"، نحو: "جاء زيد صاحب عمرو"؛ فلا يحذَف التنوين من الموصُوف. وكذلك إن وقع "ابن" بين عَلَمين ولم يكُن وَصفًا لم يجز حَذْف التنوين، كقولك: "زيد بن عمرو"، فـ"زيد" مبتدأ، و"ابن عمرو" خبره.
ويكتب إذا وقع وصْفًا بين عَلَمين بغير "ألِف"؛ لأنك لما حذفت التنوين من الموصُوف لَفْظًا حَذفت "الألِف" من الصّفة خَطًا لتطابق الصّفة الموصوف في الحذف.وعلّة حذف التنوين هنا هو علّة جَواز الاتباع في نحو: "يا زيد ابن عمرو".فتبيّن لك بذلك أنّ وجود التنوين في الموصوف بـ "ابن" في اللفظ وهمزة "ابن" في الخط متلازمان، فإذا سقط التنوين لَفظًا سقطت "الهمزة" خطًّا، وإذا ثبت التنوين لفظًا ثبتت "الهمزة" خَطًّا.
وقد استثنى المحدِّثون من ذلك إذا نُسِب الابن إلى أمّه، كما ورد في "عبد الله ابن بحينة"، فإنّ "بحينة" أمّه، فيكتبون "ابن" بـ "الألِف" حتى يُعلَم أنّ النسبة إلى مُؤنّث. ومنه: "عبد الله بن أُبي ابن سلول"، يكتبون "ابن سلول" بـ "الألِف"، ويُنوّنون "ابنًا"؛ ولذلك قالوا: إذا وَقَع "ابن" في أوّل السّطر تثبت "الألِف"، جعلوا افتراق الصفة من الموصوف في المحلّ مُوجبًا لإثبات "الألِف"؛ لأنه الأصل .
وقوله: "يحيى" مجرور بالإضافَة، وعَلامَة جَرّه فتْحَة مُقَدّرة؛ لأنّه مقصُور. وهو لا ينصرف؛ للعَلَمية والعُجمة.
وقيل: هو عَربي، مُضارع "حَيِىَ"، وامتنع صرفه للعَلَمية والوزن. وعلى القولين: يجمَع على "يحيون" بحذف "الألِف" وفتح ما قبلها، في مذهب سيبويه. والخليل والكوفيون يقولون: إن كَانَ عَربيًّا فُتحَت "الياء"، وإن كان عَجَميًّا ضمّت "الياء"، فيقولون: "يحيُون" بضم "الياء" الثّانية. [وكتبت] "يحيا" الاسم بـ "الألِف" وبـ "الياء" مستثنى من قاعِدة أنّ كُلّ مَا في آخِره "ألِف" وقبلها "ياء" فإنه يُكتب بـ "الألِف" إذا كان من الزّائد على ثلاثة، كـ"يحيى" الذي هو فعل.
قوله: "المازنيِّ": بالجر صِفَة لـ "عَمرو". ويصحّ أن يكُون صفة و"يحيى"؛ ولأنّ نَسَب الابن مِن أبيه. قوله: "عَن أبيه": عَلامَةُ الجر فيه "الياء"؛ لأنّه مِن الأسماء السّتة المعتلّة المضَافَة إلى غَير "يَاء" المتكَلّم
و"سَألَ": فاعِلُه ضَمير "عمرو"، وبه يتعَلّق حَرْف الجر، و"سَألَ" يأتي الكَلامُ عليها في الثّاني عشر مِن "باب صِفَة الصّلاة".
وجملة "صلى الله عليه وسلم" مُعترضَة لا محلّ لها من الإعراب، وتقَدّم القولُ في الجمَل التي لا محلّ لها في الحديث الأوّل.
و"مِن مَاء": يتعَلّق بصفَة لـ "تور"، و"بتَور" يتعَلّق بـ "دَعَا". ويحتمل أن يكون التقدير: "بتور مملوء من ماء"؛ فيتعلّق حرفُ الجر بـ "مملوء"، وجاز ذلك كما جاز في قوله تعالى: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45]، أي: "مأخوذة بالنفس".
قال الشّيخ تقيّ الدِّين: التقدير: "بتور من إناء ماء".
قُلت: ويظهر أن تكون "مِن" زائدة في الواجِب على ما اختاره ابن مالك ومَن وافقه، والتقدير: "فدَعَا بتور مَاء" أي: "بإناء ماء".
ومن أدلّة زيادة "مِن" في الواجب قوله تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} [الأحقاف: 31]، و {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ} [الكهف: 31]. وعلى هذا لا يتعلّق "مِن" [بعاقل]؛ لأنّ الزّائد لا يتعَلّق بشيء.
ويحتمل أنْ تكُون "مِن" للسّببية، أي: "فدَعَا بتور بسَبب ماء"، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا} [نوح: 25].
وتأتي أقسَام "مِن" في الحديث السّادس مِن "باب الاستطابة"، وفي الرّابع مِن "الجهاد".
قوله: "لهم": يتعَلّق بـ "توضّأ"، وهي "لام" التعليل، أي: "لأجلهم"، وهي كثيرة في الكتاب والسنة، منها: "اللام" في قوله تعالى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} [قريش: 1]، إذا قيل باتصال السورتين، أي: "فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف".
ويحتمل أن تكُون "اللامُ للاختِصَاص، نحو: "السّرج للدّابّة"، و"الباب للمسجد".
وقوله: "وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم": أي: "وضوءًا مثل وضوئه"؛ فيكون مُضافًا إلى نعْت مصدر محذوف، وتقَدّم أنّ مِذْهَب سيبويه في مثل هذا النصب على الحال، والتقدير: "فتوضأ لهم الوضوء في حال كونه مثل وضوئه"، [فنصبه]على الحال من المصْدَر المفهُوم من الفِعْل المتقَدّم المحذُوف بعد الإضْمار على طريق الاتساع.
قال أبو حيّان: مذهبُ سيبويه في هذا النوع كُلّه النصب على الحال لهذا المعنى.
قوله: "فأكْفَأ على يَديه": يُقَال: "كفأت الإناء" أي: "قلبته"، و"أكفأته": "أمَلته". وقيل: هما بمعنى واحد.
و"ثَلاثًا" مَصْدَر.
و"الفَاء" في قوله: "فأكفأ" بعد قوله: "فتوضأ لهم وضوء النَّبي"، قال ابن هشام: لترتيب ذِكْرِيّ، يعني به ترتيب الأخبار؛ لأنّ "الفاء" تأتي على وجهين: -
ترتيب معنى، كما في: "قام زيد فعمرو".وترتيب ذكري، وهو عَطْف مفصل على مجمَل، نحو: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [البقرة: 36]. قال ابنُ هشام: ومنه: "تَوَضَّأ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ".
قوله: "بثلاث غرفات": يحتمل أنْ يتعلّق بـ "تمضمض"، وتكُون المضْمَضَة مُقيّدة بالثّلاث وما بعْدَها مُطْلَق، ولا تتنازَعه الأفْعَالُ الثّلاثة؛ لأنّ الاستنثارَ لا يكُونُ بثلاث إلا تَابعًا للاستنشاق.
ويجوز أنْ يتعَلّق بصِفَة الثلاث، أي: "تمضمض واستنشق واستنثر ثلاث مَرّات كَائنات بثَلاث غرفات". وهَذَا أحْسَن.
ويجوز أن يتعَلّق [بـ "استنثر"]، وهو الجاري على مَذهَب البصريين في التنازع، ويكون معمُولُ "استنشق" محذوف، والثّاني يدُلّ عليه.
قوله: "وَيدَيه إلى المرفقين": التقدير: "وغَسَل يديه إلى المرفقين".
وقوله: "مرّتين": تثنية "مرّة"، وهي مصْدَر، ويُقَال فيها ظرف، ويأتي الكَلام عليها في الحديث الثّاني من "باب الهدي".
وثَنَّى المصدر لأنه عَدَد.
قوله: "ثم أدخل يديه فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر": أي: "ثم شرع في مسح رأسه، فأقبل بيديه وأدبر بهما"، وجهذا يتم معنى التعقيب في "الفاء" .
وقوله: "واحدة": هذه صفة مُؤكِّدة، كقو له تعالى: {نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} [الحاقة: 13].
وقوله: "وفي رواية": أي: "وجَاء في رواية"، فيكون "بدأ" وما بعده فاعل على، الحكاية.
و"حتى" حرفُ غاية، ولا عمَل لها في الماضي، وتقدّم القول عليها في الحديث الثّاني من الأوّل.
و"إلى" لانتهاء الغاية في المكان، كما جاءت هنا، وكقوله تعالى: {إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء: 1]، والغاية في الزمان، كقو له تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}[البقرة: 187] قال ابن هشام: وتكون للتبيين، نحو: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ} [يوسف: 33].
وتكون مُرادفة للام، نحو: {وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ} [النمل: 33]. وقيل: على بابها، أي: "انتهى إليك".
وتكون موافقة "في" [في] قوله:
فَلا تَتْرُكَنِّي بالوَعِيدِ كأنَّني … إلى الناسِ مَطْليٌّ بِهِ القارُ أجرَبُ
وقيل: التقدير: "مُضَافًا إلى النّاس"، فلا دلالة.
وتكون لموافقة "عند"، كقوله:
أمْ لا سَبِيلَ إلى الشبَابِ وذِكْرُهُ … أشْهَى إليَّ مِنَ الرَّحيقِ السَّلْسَلِ
وتكون زائدة، وتُؤول على قراءة مَن قرأ: "أفئِدَةَ مِن الناس تهْوَى إليهِم" بفتح "الواو"، أي: ["تهوَاهم"] (1)، وخُرِّجت على أنّ الفعل ضُمِّنَ معنى "تميل". والمراد في الحديث بقوله: "حتى رَجَع": "صَار".
ومن أقسام "رَجَع" الصيرورة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا"، أي: "لا تصيروا".
فيكون اسمها "ضمير النبي صلى الله عليه وسلم "، وخبرها متعلّق بالمجزوم، أي: "حتى صار ماسحًا إلى المكَان الذي بدأ منه".
و"الذي" مع صلته وعائده صفة للمكان. قوله: "وفي رواية": تقدّم آَنفًا، فيكون ["فأخرجنا له"] الفَاعِل إن قَدَّرْتَ: "وجَاء في رواية"، وهو معطُوفٌ على "أتانا". و"خَرَج" لا يتعدّى إلا بالنقل بالهمزة، كما ورد هنا، أو بالتضعيف، نحو: "خرَّجته". و"في تور" يتعلق بصفة لـ "تور"، ولك أن تعلّقه بـ"أخرجنا" فلا يكون له محلّ من الإعراب.ويختلف المعنى باختلاف التعلق، فعلى الأول يكون المخرج "التور" وفيه الماء، وعلى الثاني يكون الخرَج "الماء"، ويُحتمل ألا يكون "التور" معه، بل كان الماء الذي أخرج منه وهو مستقر في موضعه، وهو الغالب إذا كان "التور" من حَجَر.