كتابُ الطَّهَارة
الحديثُ الأوّل:
" الكتابُ": مَصْدر، واحدُ "الكُتب"، بضمّ "التاء" وسُكونها.
و"الكَتبُ": "الفَرْضُ والحُكْم". و"الكَتبُ" أيضًا: "الجمْعُ". فكأنّ المَعنى: "هذا جَمْعُ أحاديث الطّهَارة". وبهذا سُمّيت الكتابةُ "كتابة"؛ لأنّه يُجمَع بها بعضُ الحُروف إلى بعْض.
ومنه: "الكتيبة"، وهي "الخيلُ المجْمُوعة". و"تكَتّب القَومُ": "تجمّعوا".
ويُقال: "كتبتُ الكتابَ"، "أكتُبه"، "كَتْبًا" [و "مكتبة"]
فـ "كتاب": مَرفُوعٌ، على أنه خَبَر مُبتدأ مَحْذُوف.
قوله: "الحديثُ الأوّل": يحتمل أنْ يكُون "الحديث" خَبَر مُبتدأ مَحْذُوف، أي: "هَذا الحَديث"، و"الأوّل" نَعْتٌ له.
ويحتمل أنْ يَكُون "الحديث" مُبتدأ، و "الأوّل" نعْته، والخَبَر [مُتعلق] بالمَجْرور، أي: "الحديثُ الأوّل ثابتٌ عن عُمَر".
ويحتمل أنّ "الحديث" مُبتدأ، و"الأوّل" نعته، والخبرُ قوله: "عن عُمر" إلى آخره. ولا يحتاجُ [إلى]ما يتعلّق به حَرْف الجر [لأنه] كنَّى [عنه] (3) على الحكاية. وهذا أحْسَن.
الرابع: يكُون "الحديث" مُبتدأ، والجبرُ مُقَدَّر مُتقدِّم، أي: "مما أذْكُره الحديث"، ويكُون "الأوّل" [نَعْت] . ولو رُوي الحديثُ [بالنصب] جَاز، بتقْدير: " [اسْمَع] الحديث"، أو " [أقرأ] الحَديث".
إذا ثبت: [فإنّ "الحديثَ"] مُفرَدُ "أحاديث"، على غير قياس. وقد [وهم] بعضُ النَّاس أنّه جَمعْ لـ "أُحْدوث"؛ فيكون قياسًا.
ورُدَّ هذا: بأنَّ "الأُحدوثة" [تختصّ] بالشّر. يُقال: "صَار فُلانٌ أُحْدوثة"، أي: " [فضيحة يتحدّث] به النّاس". و"الأحاديثُ" ليست مُختصّة بذلك؛ [لقولك]: "أحاديثُ الرسُول". وقيل: اختصاصُ "الأُحْدُوثة" بـ "الشَّر" غير مُسَلّم؛ لأنَّ العَرَبَ تقول: "انتشَرَت له أُحْدُوثة حَسَنة"، [و"فُلانٌ] حَريصٌ على حُسْن الأُحْدُوثة". وأنشَد المُبرّد:
وكُنْتُ إِذا مَا زُرْتُ سُعْدَى بأَرْضِهَا … أَرَى الأَرْضَ تُطْوى لي وَيدْنُو بَعِيدُهَا
مِنَ الخَفِراتِ البِيضِ وَدَّ جَلِيسُهَا … إِذَا مَا انْقَضَتْ أُحْدُوثَة لَو تُعِيدُها
قالوا: فبناءُ الاسم الشَّهير الاستعمال على اسْم قَليل الاستعمال خِلافُ القياس؛ فجَمعُ "حديث" على "أحاديث" خِلافُ الشهير في الاستعمال.
إذا ثبت ذلك: فـ "أوّل" وَزْنه "أفْعَل"، فاؤه وعَيْنه واوان.
قال القاضي أبو بكر ابن العَربي رحمه الله: لا خِلافَ أنّ وزنه "أفعل". لكن [البصريين] يقُولون: أصْلُه: "أوَل"، مِن "آل، يئُول"، إذا "رَجع". والآخَرون يقُولون: "أوْأل" مِن "وَأل"، أي: "لجأ".
قَالَ: والصّحيحُ قولُ البصريين.
قلتُ: والمعنى هنا على قول البصريين: "أنه يَرجع إلى معناه ما يأتي بعده من الأحاديث". وعلى قَول غيرهم: "أنه يُلجَأ إليه". وهُو قريبٌ من المعنى الأوّل. [ومنه]: "الأوّل" في العَدَد، يَرجع إليه ما بعده.
وقال بعضُ النحويين: أصْلُه: "فَوْعَل".
ورُدّ: بأنَّ "أوّل" أفعَلُ [التفضيل]؛ لأنّه يُوصَل بـ "مَن"، يقُولون: "أوّل من كذا". ولهذا لا ينصرفُ إذا جَعَلْته صِفَة، تقُولُ: "لقيتُه عَام أوّل"، وإنْ لم تجعله صِفَة قُلتَ: "عَامًا أوّلًا".
وفي الحَديث الثّاني من "بَاب القِراءَة" كَلَامٌ كالتّتمة لهذا.
وأمّا "آخِر": بكَسر "الخاء"، فهو: "الذي بَعد الأوّل مَا لمَ يَعْقُبه شَيءٌ". وهُو صِفَة. تَقُول: "جَاء آخِرًا"، أي: "أخِيرًا". والأُنثى: "آخِرَة". والجمْعُ: "أَوَاخِر"